الشيخ الطوسي
322
التبيان في تفسير القرآن
وقوله : " يكتبون الكتاب بأيديهم " معناه انهم يقولون كتبته ، ثم يضيفونه إلى الله ، كقوله " خلقت بيدي " ( 1 ) " وعملت أيدينا " ( 2 ) أي نحن تولينا ذلك ولم نكله إلى أحد من عبادنا . ومثله رأيته بعيني وسمعته باذني ولفيته بنفسي . والمعنى في جميع ذلك التأكيد ، ولأنه قد يأمر غيره بالكتابة ، فتضاف إليه مجازا . فلذلك يقول الأمي كتبت إلى آل فلان بكذا ، وهذا كتابي إليك ، وكما تقول : حملت إلى بلد كذا . وإنما أمرت بحمله . فاعلمنا الله تعالى انهم يكتبونه بأيديهم ، ويقولون هو من عند الله ، وقد علموا يقينا إذا كتبوه بأيديهم انه ليس من عند الله . وفي الآية دلالة على ابطال قول المجبرة ، لأنه تعالى عابهم بهذا القول ، إذ نسبوا ما كتبوه من التحريف إلى أنه من عند الله ، وجعل عليهم الويل . وإذا كان تحريفه من الكتاب - ليس من عند الله ، من جهة القول والحكم - فليس ذلك منه من جهة القضاء والحكم ولا التقدير والمشيئة . وقال ابن السراج : معنى " بأيديهم " أي من تلقاء أنفسهم . وقوله " ليشتروا به ثمنا قليلا " . قال قوم : أي انه عرض الدنيا لأنه قليل المدة ، كما قال تعالى : " قل متاع الدنيا قليل " ( 3 ) ذهب إليه أبو العالية . وقال آخرون : إنه قليل لأنه حرام . وروي عن أبي جعفر ( ع ) ، وذكره أيضا جماعة من أهل التأويل أن أحبار اليهود كانت غيرت صفة النبي صلى الله عليه وآله ليوقعوا الشك للمستضعفين من اليهود . وقوله : " ويل لهم مما كانوا يكسبون " يقولون مما يأكلون به الناس السفلة وغيرهم . واصل الكسب العمل الذي يجتلب به نفع أو يدفع به ضرر ، وكل عامل عملا بمباشرة منه لما عمل . ومعناه هاهنا الاحتراف فهو كاسب لما عمل . قال لبيد ابن ربيعة : لمغفر قهد تنازع شلوه * غبس كواسب لا يمن طعامها ( 4 )
--> ( 1 ) سورة ص : آية 75 . ( 2 ) سورة يس : آية 71 . ( 3 ) سورة النساء : آية 76 . ( 4 ) معلقته . اللسان : ( عفر ) في المخطوطة والمطبوعة ( بمعفر فهد ) بدل ( لمعفر قهد ) وفي المطبوعة ( غبش ) بدل ( غبس ) . والمعفر : الذي القي في العفر ، وهو التراب . والقهد : ولد البقر . والشلو : العضو من اللحم . وغبس : غبر ولا يمن طعامها : تكسب طعامها بنفسها .