الشيخ الطوسي
127
التبيان في تفسير القرآن
في ذلك خلق الأرض قبل السماء غير أنه لم يدحها فلما خلق السماء دحاها بعد ذلك ودحوها : بسطها ، ومدها ومنه ادحية لنعام ، سميت بذلك ، لأنها تبسطها لتبيض فيها ويجوز أن لا يكون معنى ( ثم ) و ( بعد ) في هذه الآيات الترتب في الأوقات والتقدم والتأخر فيها ، إنما هو على جهة تعداد النعم والأذكار لها كما يقول القائل لصاحبه : أليس قد أعطيتك ، ثم حملتك ، ثم رفعت في منزلتك ، ثم بعد ذلك كله خلطتك بنفسي وفعلت بك وفعلت وربما يكون بعض الذي ذكره في اللفظ متقدما ، كان متأخرا ، لان المراد لم يكن الاخبار عن أوقات الفعل ، وإنما المراد الذكر والتنبيه عليها فان قيل أي نسبة بين قوله : ( ثم استوى إلى السماء ) وبين قوله : ( وهو بكل شئ عليم ) وكان يجب ان يقول : ( وهو على كل شئ قدير ) قيل إنما جاز ذلك ، لان الله لما وصف نفسه بما يدل على القدرة والاستيلاء وصل ذلك بما يدل على العلم ، إذ بهما يصح وقوع الفعل على وجه الاحكام ، والاتقان وأيضا أراد أن يبين انه عالم بما يؤول إليه حاله ، وحال المنعم به عليه ، فيستحق بذلك النعمة وتلخيص معنى الآية ان الله تعالى هو الذي خلق لكم الأرض وما فيها من الجبال والمياه والأشجار ، وما قدر فيها من الأقوات ، ثم قضى خلق السماء بعد خلقه الأرض ومعنى استوى أي عمد لها وقصد إلى خلقها ، وسواها سبع سماوات فبناهن وركبهن كذلك ونظير ذلك قوله : ( أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام ) ( 1 ) يعني يومين بعد اليومين الأولين حتى صار بذلك أربعة أيام ثم استوى إلى السماء فمعنى قوله : ( خلق لكم ما في الأرض جميعا ) هو الذي بينه بقوله : ( وجعل فيها رواسي من فوقها . الآية ) وجعل ذكره لذلك في الآية الأولى تأكيد الحجة على عباده لئلا يكفروا به ، ولان يؤمنوا به ويشكروه وقوله : ( كيف تكفرون ) يدل انه تعالى ما أراد الكفر
--> ( 1 ) سورة حم السجدة : آية 9 و 10