الآلوسي
54
تفسير الآلوسي
والناس ألف منهم كواحد * وواحد كالألف إن أمر عنا ويفهم من الآية ذم الشح جداً ، وقد وردت أخبار كثيرة بذمه ، أخرج الحكيم الترمذي . وأبو يعلى . وابن مردويه عن أنس مرفوعاً زما محق الإسلام محق الشح شيء قط " ، وأخرج ابن أبي شيبة . والنسائي . والبيهقي في " الشعب " . والحاكم وصححه عن أبي هريرة مرفوعاً " لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان نار جهنم في جوف عبد أبداً ولا يجتمع الايمان والشح في قلب عبد أبداً " . وأخرج أبو داود . والترمذي - وقال غريب - والبخاري في الأدب . وغيرهم عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً " خصلتان لا يجتمعان في جوف مسلم البخل وسوء الخلق " وأخرج ابن أبي الدنيا . وابن عدي . والحاكم . والخطيب عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " خلق الله تعالى جنة عدن وغرس أشجارها بيده ثم قال لها : انطقي فقالت : قد أفلح المؤمنون فقال الله عز وجل : وعزتي وجلالي لا يجاورني فيك بخيل ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم * ( ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ) * " . وأخرج أحمد . والبخاري في " الأدب " . ومسلم . والبيهقي عن جابر بن عبد الله أن رسول الله عليه الصلاة والسلام قال : " اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة واتقوا الشح فإن الشح قد أهلك من كان قبلكم حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم " إلى غير ذلك من الأخبار ، لكن ينبغي أن يعلم أن تقوى الشح لا تتوقف على أن يكون الرجل جواداً بكل شيء ، فقد أخرج عبد بن حميد . وأبو يعلى . والطبراني . والضياء عن مجمع بن يحيى مرفوعاً " برئ من الشح من أدى الزكاة وقرى الضيف وأدى في النائبة " . وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله ما يقرب منه ، وكذا ابن جرير . والبيهقي عن أنس ، وأخرج ابن المنذر عن علي كرم الله تعالى وجهه قال : من أدى زكاة ماله فقد وقى شح نفسه ، وقوله تعالى : * ( والَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بالإَيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِى قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ) * . * ( والَّذين جاءُوا من بَعْدهمْ ) * عطف عند الأكثرين أيضاً على المهاجرين ، والمراد بهؤلاء قيل : الذين هاجروا حين قوي الإسلام ، فالمجيء حسي وهو مجيئيهم إلى المدينة ، وضمير * ( من بعدهم ) * للمهاجرين الأولين ، وقيل : هم المؤمنون بعد الفريقين إلى يوم القيامة ، فالمجيء إما إلى الوجود أو إلى الإيمان وضمير * ( من بعدهم ) * للفريقين المهاجرين والأنصار ، وهذا هو الذي يدل عليه كلام عمر رضي الله تعالى عنه وكلام كثير من السلف كالصريح فيه ، فالآية قد استوعبت جميع المؤمنين ، وجملة قوله تعالى : * ( يَقُولُونَ ) * الخ حالية ، وقيل : استئناف . * ( رَبَّنَا اغْفرْ لَنَا ولإخْوَاننَا ) * أي في الدين الذي هو أعز وأشرف عندهم من النسب * ( الَّذينَ سَبَقُونَا بالإيمَان ) * وصفوهم بذلك اعترافاً بفضلهم * ( وَلاَ تَجْعَلْ في قُلُوبنَا غلاًّ ) * أي حقداً ، وقرئ غمراً * ( لِّلَّذينَ ءَامَنُواْ ) * على الإطلاق * ( رَبَّنَا إنَّكَ رَءُوفٌ رَّحيمٌ ) * أي مبالغ في الرأفة والرحمة ، فحقيق بأن تجيب دعاءنا ، وفي الآية حث على الدعاء للصحابة وتصفية القلوب من بغض أحد منهم ، وأخرج عبد بن حميد . وابن المنذر . وجماعة عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : أمروا أن يستغفروا لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فسبوهم ثم قرأت هذه الآية * ( والذين جاءوا ) * الخ . وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه سمع رجلاً وهو يتناول بعض المهاجرين فدعاه