الآلوسي
40
تفسير الآلوسي
إلى الشام فيكون لهم آخر حشر إليه أيضاً ليتم التقابل ، وهو يوم القيامة من القبور ، ولا يخفى أنه ضعيف الدلالة ؛ وفي " البحر " عن عكرمة . والزهري أنهما قالا : المعنى الأول موضع الحشر وهو الشام ، وفي الحديث أنه صلى الله عليه وسلم قال لهم : " اخرجوا قالوا : إلى أين ؟ قال : إلى أرض المحشر " ولا يخفى ضعف هذا المعنى أيضاً ، وقيل : آخر حشرهم أن ناراً تخرج قبل الساعة فتحشرهم كسائر الناس من المشرق إلى المغرب ، وعن الحسن أنه أريد حشر القيامة أي هذا أوله والقيام من القبور آخره ، وهو كما ترى ، وقيل : المعنى أخرجهم من ديارهم لأول جمع حشره النبي صلى الله عليه وسلم أو حشره الله عز وجل لقتالهم لأنه صلى الله عليه وسلم لم يكن قبل قصد قتالهم ، وفيه من المناسبة لوصف العزة ما لا يخفى ، ولذا قيل : إنه الظاهر ؛ وتعقب بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن جمع المسلمين لقتالهم في هذه المرة أيضاً ولذا ركب عليه الصلاة والسلام حماراً مخطوماً بليف لعدم المبالاة بهم وفيه نظر ، وقيل : لأول جمعهم للمقاتلة مع المسلمين لأنهم لم يجتمعوا لها قبل ، والحشر إخراج جمع سواء كان من الناس لحرب أو لا ، نعم يشترط فيه كون المحشور جمعاً من ذوي الأرواح لا غير ، ومشروعية الإجلاء كانت في ابتداء الإسلام ، وأما الآن فقد نسخت ، ولا يجوز إلا القتل . أو السبي . أو ضرب الجزية * ( مَا ظَنَنْتُم ) * أيها المسلمو * ( أَن يَخْرُجُواْ ) * لشدة بأسهم ومنعتهم ووثاقة حصونهم وكثرة عددهم وعدتهم . * ( وَظَنُّواْ أَنَّهُم مَّا نَعتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ الله ) * أي ظنوا أن حصونهم مانعتهم أو تمنعهم من بأس الله تعالى - فحصونهم - مبتدأ ، * ( ومانعتهم ) * خبر مقدم ، والجملة خبر * ( أن ) * وكان الظاهر لمقابلة * ( ما ظننتم أن يخرجوا ) * وظنوا أن لا يخرجوا والعدول إلى ما في " النظم الجليل " للإشعار بتفاوت الظنين ، وأن ظنهم قارب اليقين فناسب أن يؤتى بما يدل على فرط وثوقهم بما هم فيه فجىء - بمانعتهم . وحصونهم - مقدماً فيه الخبر على المبتدأ ؛ ومدار الدلالة التقديم لما فيه من الاختصاص فكأنه لا حصن أمنع من حصونهم ، وبما يدل على اعتقادهم في أنفسهم أنهم في عزة ومنعة لا يبالي معهما بأحد يتعرض لهم أو يطمع في معازتهم ، فجىء بضمير - هم - وصير اسماً - لأن - وأخبر عنه بالجملة لما في ذلك من التقوّى على ما في " الكشف " . وشرح الطيبي ، وفي كون ذلك من باب التقوّى بحث ، ومنع بعضهم جواز الإعراب السابق بناءاً على أن تقديم الخبر المشتق على المبتدأ المحتمل للفاعلية لا يجوز كتقديم الخبر إذا كان فعلاً ، وصحح الجواز في المشتق دون الفعل ، نعم اختار صاحب الفرائد أن يكون * ( حصونهم ) * فاعلاً - لمانعتهم - لاعتماده على المبتدأ . وجوز كون * ( مانعتهم ) * مبتدأ خبره * ( حصونهم ) * ، وتعقب بأن فيه الإخبار عن النكرة بالمعرفة إن كانت إضافة مانعة لفظية ، وعدم كون المعنى على ذلك إن كانت معنوية بأن قصد استمرار المنع فتأمل ، وكانت * ( حصونهم ) * على ما قيل : أربعة الكتيبة . والوطيح . والسلالم . والنطاة ، وزاد بعضهم الوخدة وبعضهم شقا ، والذي في " القاموس " أنه موضع بخيبر أو واد به * ( فَأَتَاهُمُ اللَّهُ ) * أي أمره سبحانه ، وقدره عز وجل المتاح لهم * ( منْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسبُواْ ) * ولم يخطر ببالهم ؛ وهو على ما روي عن السدي . وأبي صالح . وابن جريج