الآلوسي
132
تفسير الآلوسي
وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل قال : بلغنا أن قوله تعالى : * ( يا أيها النبي إذا طلقتم ) * الآية نزل في عبد الله بن عمرو بن العاص . وطفيل بن الحرث . وعمرو بن سعيد بن العاص ، وقال بعضهم : فعله ناس منهم ابن عمرو بن العاص . وعتبة بن غزوان فنزلت الآية ، وأخرج ابن المنذر عن ابن سيرين أنها نزلت في حفصة بنت عمر طلقها رسول الله صلى الله عليه وسلم واحدة فنزلت إلى قوله تعالى : * ( يحدث بعد ذلك أمراً ) * ( الطلاق : 1 ) فراجعها عليه الصلاة والسلام ، ورواه قتادة عن أنس ، وقال القرطبي نقلاً عن علماء الحديث : إن الأصح أنها نزلت ابتداءاً لبيان حكم شرعي ، وكل ما ذكر من أسباب النزول لها لم يصح ، وحكى أبو حيان نحوه عن الحافظ أبي بكر بن العربي ، وظاهرها أن نفس الطلاق مباح ، واستدل له أيضاً بما رواه أبو داود . وابن ماجة عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إن من أبغض المباحات عند الله عز وجل الطلاق " وفي لفظ " أبغض الحلال إلى الله الطلاق " لوصفه بالإباحة والحل لأن أفعل بعض ما يضاف إليه ، والمراد من كونه مبغوضاً التنفير عنه أو كونه كذلك من حيث أنه يؤدي إلى قطع الوصلة وحل قيد العصمة لا من حيث حقيقته في نفسه . وقال البيهقي : البغض على إيقاعه كل وقت من غير رعاية لوقته المسنون ، وبطلاقه صلى الله عليه وسلم حفصة ثم أمره تعالى إياه أن يراجعها فإنها صوامة قوامة ، وقال غير واحد : هو محظور لما فيه من كفران نعمة النكاح ، ولقوله عليه الصلاة والسلام : " لعن الله كل مذواق مطلاق " وإنما أبيح للحاجة ، قال ابن الهمام : وهذا هو الأصح فيكره إذا لم يكن حاجة ، ويحمل لفظ المباح على أما أبيح في بعض الأوقات أعني أوقات تحقق الحاجة المبيحة وهو ظاهر في رواية لأبي داود - ما أحل الله تعالى شيئاً أبغض إليه من الطلاق - فإن الفعل لا عموم له في الأزمان ، ومن الحاجة الكبر وعدم اشتهائه جماعها بحيث يعجز أو يتضرر بإكراهه نفسه عليه وهي لا ترضي بترك ذلك ، وما روي عن الحسن - وكان قيل له في كثرة تزوجه وطلاقه من قوله : أحب الغني - قال الله سبحانه : * ( وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته ) * فهو رأي منه إن كان على ظاهره ، وكل ما نقل من طلاق الصحابة - كطلاق المغيرة بن شعبة الزوجات الأربعة دفعة - فقد قال لهن : أنتن حسنات الأخلاق ناعمات الأطواق طويلات الأعناق اذهبن فأنتن طلاق فمحمله وجود الحاجة ، وإن لم يصرح بها ، وقال ابن حجر : هو إما واجب كطلاق مول لم يرد الوطء وحكمين رأياه ، أو مندوب كأن يعجز عن القيام بحقوقها ولو لعدم الميل إليها ، أو تكون غير عفيفة ما لم يخش الفجور بها ، ومن ثم أمر صلى الله عليه وسلم من قال : " إن زوجتي لا ترد يد لامس " أي لا تمنع من يريد الفجور بها على أحد أقوال في معناه بإمساكها خشية من ذلك . ويلحق بخشية الفجور بها حصول مشقة له بفراقها تؤدي إلى مبيح تيمم ، وكون مقامها عنده أمنع لفجورها فيما يظهر فيهما ، أو سيئة الخلق أي بحيث لا يصبر على عشرتها عادة فيما يظهر ، وإلا فغير سيئة الخلق كالغراب الأعضم أو يأمره به أحد والديه أي من غير تعنت كما هو شأن الحمقي من الآباء والأمهات ، ومع عدم خوف فتنة أو مشقة بطلاقها فيما يظهر ، أو حرام كالبدعي ، أو مكروه بأن سلم الحال عن ذلك كله للخبر الصحيح " ليس شيء من الحلال أبغض إلى الله من الطلاق " ولدلالته على زيادة التنفير عنه قالوا : ليس فيه مباح لكن صورة الإمام بما إذا لم يشتهها أي شهوة كاملة ولا تسمح نفسه بمؤنتها من غير تمتع اه . والآية على ما لا يخفى على المنصف لا تدل على أكثر من حرمته في الحيض ، والمراد بالنساء فيها المدخول بهن من المعتدات بالحيض على ما في الكشاف ، وغيره لمكان قوله سبحانه : * ( فطلقوهن لعدتهن ) * .