الآلوسي

130

تفسير الآلوسي

فأما مفروقا في الأطهار فلا لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لابن عمر حين طلق امرأته وهي حائض : " ما هكذا أمرك الله إنما السنة أن تستقبل الطهر استقبالاً وتطلقها لكل قرء تطليقة " وروي أنه عليه الصلاة والسلام قال لعمر : " مر ابنك فليراجعها ثم ليدعها حتى تحيض ثم تطهر ثم ليطلقها إن شاء " . وعند الشافعي لا بأس بإرسال الثلاث ، وقال : لا أعرف في عدد الطلاق سنة ولا بدعة وهو مباح ، فمالك يراعي في طلاق السنة الواحدة . والوقت ، وأبو حنيفة يراعى التفريق . والوقت ، والشافعي يراعى الوقت انتهى . وفي فتح القدير في الاحتجاج على عدم كراهة التفريق على الأطهار وكونه من الطلاق السني رواية غير ما ذكر عن ابن عمر أيضاً ، وقد قال فيها ما قال إلا أنه في الآخرة رجح قبولها ، والمراد بإرسال الثلاث دفعة ما يعم كونها بألفاظ متعددة كأن يقال : أنت طالق أنت طالق أنت طالق ، أو بلفظ واحد كأن يقال : أنت طالق ثلاثاً ، وفي وقوع هذا ثلاثاً خلاف ، وكذا في وقوع الطلاق مطلقاً في الحيض ، فعند الإمامية لا يقع الطلاق بلفظ الثلاث . ولا في حالة الحيض لأنه بدعة محرمة ، وقد قال صلى الله عليه وسلم : " من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد " ، ونقله غير واحد عن ابن المسيب . وجماعة من التابعين ، وقال قوم منهم - فيما قيل - طاوس . وعكرمة : الطلاق الثلاث بفم واحد يقع به واحدة ، وروي هذا أبو داود عن ابن عباس - وهو اختيار ابن تيمية من الحنابلة - وفي الصحيحين أن أبا الصهباء قال لابن عباس : ألم تعلم أن الثلاث كانت تجعل واحدة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم . وأبي بكر . وصدر من خلافة عمر قال : نعم ، وفي رواية لمسلم أن ابن عباس قال : كان الطلاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم . وأبي بكر . وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة ، فقال عمر : إن الناس قد استعجلوا في أمر كان لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم فأمضاه عليهم ، ومنهم من قال في المدخول بها : يقع ثلاث ، وفي الغير واحدة لما في مسلم . وأبي داود . والنسائي أن أبا الصهباء كان كثير السؤال من ابن عباس قال : أما علمت أن الرجل إذا طلق امرأته ثلاثاً قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة ؟ فقال ابن عباس : بلى كان الرجل إذا طلق امرأته ثلاثاً قبل أن يدخل بها جعلوا ذلك واحدة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم . وأبي بكر . وصدر من خلافة عمر الحديث ، والذي ذهب إليه جمهور الصحابة . والتابعين ، ومن بعدهم من أئمة المسلمين - ومنهم الأئمة الأربعة - وقوع الثلاث بفم واحد . بل ذكر الإمام ابن الهمام وقوع الإجماع السكوتي من الصحابة على الوقوع . ونقل عن أكثر مجتهديهم كعلي كرم الله تعالى وجهه . وابن عباس . وابن مسعود . وأبي هريرة . وعثمان بن عفان . وعبد الله بن عمرو بن العاص الإفتاء الصريح بذلك ، وذكر أيضاً أن إمضاء عمر الثلاث عليهم مع عدم مخالفة الصحابة له مع علمهم بأنه كانت واحدة لا يمكن إلا لأنهم قد اطلعوا في الزمان المتأخر على وجود ناسخ ، أو لعلمهم بانتهاء الحكم لعلمهم بإناطته بمعان علموا انتهاءها في الزمان المتأخر ، واستحسن ابن حجر في التحفة الجواب بالاطلاع على ناسخ بعد نقله جوابين سواه وتزييفه لهما ، وسيأتي قريباً إن شاء الله تعالى بعض أخبار مرفوعة يستدل بها على وقوع الثلاث ، لكن قيل : إن الثلاث فيها يحتمل أن تكون بألفاظ ثلاثة كأنت طالق أنت طالق أنت طالق ، ولعله هو الظاهر لا بلفظ واحد كأنت طالق ثلاثاً ، وحينئذ لا يصلح ذلك للرد على من لم يوقع الثلاث بهذا اللفظ لكن إذا صح الإجماع ولو سكوتياً على الوقوع لا ينبغي إلا الموافقة والسكوت ، وتأويل ما روي عن عمر ، ولذا قال بعض الأئمة : لو حكم قاض بأن الثلاث بفم واحد واحدة لم ينفذ حكمه