الآلوسي
128
تفسير الآلوسي
وبيان لكون الأمور خيراً لأنفسهم من الأموال والأولاد ، وفيه شمة من التجريد ، وعند أبي عبيد على أنه خبر ليكن مقدراً جواباً للأمر أي يكن خيراً ، وعند الفراء . والكسائي على أنه نعت لمصدر محذوف أي إنفاقاً خيراً ، وقيل : هو نصب - بأنفقوا - والخير المال ، وفيه بعد من حيث المعنى ، وقال بعض الكوفيين : هو نصب على الحال وهو بعيد في المعنى والإعراب * ( وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسَه ) * وهو البخل مع الحرص . * ( فَأُولَائكَ هُمُ المُفْلحُونَ ) * الفائزون بكل مرام . * ( إِن تُقْرِضُواْ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ واللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ ) * . * ( إنْ تُقْرضُواْ اللَّهَ ) * تصرفوا المال إلى المصارف التي عينها عز وجل ، وفي الكلام استعارة تمثيلية * ( قَرْضاً حَسَناً ) * مقروناً بالإخلاص وطيب النفس . * ( يُضَاعفْهُ لَكُمْ ) * يجعل لكم جل شأنه بالواحد عشراً إلى سبعمائة وأكثر ، وقرئ - يضعفه - * ( وَيَغْفرْ لَكُمْ ) * ببركة الإنفاق ما فرط منكم من بعض الذنوب * ( وَاللَّهُ شَكُورٌ ) * يعطى الجزيل بمقابلة النزر القليل * ( حَليمٌ ) * لا يعاجل بالعقوبة مع كثرة الذنوب . * ( عَالِمُ الْغَيْبِ والشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) * . * ( عَالمُ الغَيْب وَالشَّهَادَة ) * لا يخفى عليه سبحانه شيء * ( العَزيزُ الْحَكيمُ ) * المبالغ في القدرة والحكمة ، وفي الآية من الترغيب بالإنفاق ما فيها لكن اختلف في المراد به فقيل : الإنفاق المفروض يعني الزكاة المفروضة وقد صرح به ، وقيل : الإنفاق المندوب ، وقيل : ما يعم الكل ، والله تعالى أعلم . سورة الطلاق وتسمى سورة - النساء القصرى - كذا سماها ابن مسعود كما أخرجه البخاري . وغيره ، وأنكره الداوودي ، فقال : لا أرى القصرى محفوظاً ولا يقال لشيء من سور القرآن : قصرى . ولا صغرى ، وتعقبه ابن حجر بأنه رد للأخبار الثابتة بلا مستند والقصر والطول أمر نسبي ، وقد أخرج البخاري عن زيد بن ثابت أنه قال : طولى الطوليين ، وأراد بذلك سورة الأعراف - وهي مدنية بالاتفاق - . واختلف في عدد آياتها ففي البصري إحدى عشرة آية ، وفيما عداه اثنتا عشرة آية ، ولما ذكر سبحانه فيما تقدم * ( إن من أزواجكم وأولادكم عدواً لكم ) * وكانت العداوة قد تفضي إلى الطلاق ذكر جل شأنه هنا الطلاق وأرشد سبحانه إلى الانفصال منهن على الوجه الجميل ، وذكر عز وجل أيضاً ما يتعلق بالأولاد في الجملة ، فقال عز من قائل : * ( ياأيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُواْ الْعِدَّةَ واتَّقُواْ اللَّهَ رَبَّكُمْ لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لاَ تَدْرِى لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً ) * . * ( يَاأَيُّهَا النَّبيُّ إذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ ) * خص النداء به صلى الله عليه وسلم وعم الخطاب بالحكم لأن النبي عليه الصلاة والسلام إمام أمته كما يقال لرئيس القوم وكبيرهم : يا فلان افعلوا كيت وكيت إظهاراً لتقدمه واعتباراً لترؤسه ، وأنه المتكلم عنهم والذي يصدرون عن رأيه ولا يستبدون بأمر دونه فكان هو وحده في حكمهم كلهم وساداً مسد جميعهم ، وفي ذلك من إظهار جلالة منصبه عليه الصلاة والسلام ما فيه ، ولذلك اختير لفظ * ( النبي ) * لما فيه من الدلالة على علو مرتبته صلى الله عليه وسلم ، وقيل : الخطاب كالنداء له صلى الله عليه وسلم إلا أنه اختير ضمير الجمع للتعظيم نظير ما في قوله : ألا فارحموني يا إله محمد وقيل : إنه بعد ما خاطبه عليه الصلاة والسلام بالنداء صرف سبحانه الخطاب عنه لأمته تكريماً له صلى الله عليه وسلم لما في الطلاق من الكراهة فلم يخاطب به تعظيماً ، وجعل بعضهم الكلام على هذا بتقدير القول أي قل لأمتك : * ( إذا طلقتم ) * ، وقيل : حذف نداء الأمة ، والتقدير يا أيها النبي