الآلوسي
119
تفسير الآلوسي
سورة التغابن مدنية في قول الأكثرين ، وعن ابن عباس . وعطاء بن يسار أنها مكية إلا آيات من آخرها * ( يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم ) * ( التغابن : 14 ) الخ ، وعدد آيها تسع عشرة آية بلا خلاف ، ومناسبتها لما قبلها أنه سبحانه ذكر هنا حال المنافقين وخاطب بعد المؤمنين ، وذكر جل وعلا هنا تقسيم الناس إلى مؤمن . وكافر ، وأيضاً في آخر تلك * ( لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم ) * ( المنافقون : 9 ) وفي هذه * ( إنما أموالكم وأولادكم فتنة ) * ( التغابن : 15 ) وهذه الجملة على ما قيل : كالتعليل لتلك ، وأيضاً في ذكر التغابن نوع حث على الانفاق قبل الموت المأمور به فيما قبل ، واستنبط بعضهم عمر النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثاً وستين من قوله تعالى في تلك السورة : * ( ولن يؤخر الله نفساً إذا جاء أجلها ) * ( المنافقون : 11 ) فإنها رأس ثلاث وستين سورة ، وعقبها سبحانه بالتغابن ليظهر التغابن في فقده عليه الصلاة والسلام . * ( يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِى السَّمَاواتِ وَمَا فِى الاَْرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ) * . بسم الله الرَّحْمَان الرَّحيم * ( يُسَبِّحُ لله مَا في السَّمَاوَات وَمَا في الأَرْض ) * أي ينزهه سبحانه وتعالى جميع المخلوقات عما لا يليق بجناب كبريائه سبحانه تسبيحاً مستمراً ، وذلك بدلالتها على كمال عز وجل واستغنائه تعالى ، والتجدد باعتبار تجدد النظر في وجوه الدلالة على ذلك * ( لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ ) * لا لغيره تعالى إذ هو جل شأنه المبدىء لكل شيء وهو القائم به والمهيمن عليه وهو عز وجل المولي لأصول النعم وفروعها وأما ملك غيره سبحانه فاسترعاء منه تعالى وتسليط ، وأما حمد غيره تبارك وتعالى فلجريان إنعامه تعالى على يده فكلا الأمرين له تعالى في الحقيقة ولغيره بحسب الصورة ، وتقديم * ( له الملك ) * لأنه كالدليل لما بعده * ( وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدير ) * لأن نسبة ذاته جل شأنه المقتضية للقدة إلى الكل سواء فلا يتصور كون بعض مقدوراً دون بعض ، وقوله تعالى : * ( هُوَ الَّذِى خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ واللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) * . * ( هُوَ الَّذي خَلَقَكُمْ ) * الخ بيان لبعض قدرته تعالى العامة ، والمراد هو الذي أوجدكم كما شاء وقوله تعالى : * ( فَمنْكُمْ كَافرٌ وَمِنْكُمْ مَّؤْمنٌ ) * أي فبعضكم كافر به تعالى وبعضكم مؤمن به عز وجل ، أو فبعض منكم كافر به سبحانه وبعض منكم مؤمن به تعالى تفصيل لما في * ( خلقكم ) * من الإجمال لأن كون بعضهم . أو بعض منهم كافراً ، وكون بعضهم . أو بعض منهم مؤمناً مراد منه فالفاء مثلها في قوله تعالى : * ( والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ) * ( النور : 45 ) الخ فيكون الكفر والايمان في ضمن الخلق وهو الذي تؤيده الأخبار الصحيحة كخبر البخاري . ومسلم . والترمذي . وأبي داود عن ابن مسعود قال : حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم - وهو الصادق المصدوق - " إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوماً نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث الله إليه ملكاً بأربع كلمات : يكتب رزقه . وأجله . وعمله . وشقي أو سعيد ثم ينفخ فيه الروح الحديث " وأخرج عبد بن حميد . وابن المنذر . وابن أبي حاتم . وابن مردويه عن أبي ذر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا مكث المني في الرحم أربعين ليلة أتاه ملك النفوس فعرج به إلى الرب فيقول : يا رب أذكر أم أنثى ؟ فيقضي الله ما هو قاض فيقول : أشقي أم سعيد ؟ فيكتب ما هو لاق " . وقرأ أبو ذر من فاتحة التغابن خمس آيات إلى قوله تعالى : * ( وصوركم فأحسن صوركم وإليه المصير ) * ( التغابن : 3 ) والجمع بين الخبرين مما لا يخفى على من أوتي نصيباً من العلم ، وتقديم الكفر لأنه الأغلب .