الآلوسي
112
تفسير الآلوسي
وقوله تعالى : * ( هُمُ العَدُوُّ ) * استئناف أي هم الكاملون في العداوة والراسخون فيها فإن أعدى الأعادي العدو المداجى الذي يكاشرك وتحت ضلوعه الداء الدوى ككثير من أبناء الزمان * ( فَاحْذَرْهُمْ ) * لكونهم أعدى الأعادي ولا تغترن بظاهرهم ، وجوز الزمخشري كون * ( عليهم ) * صلة * ( صيحة ) * و * ( هم العدو ) * والمفعول الثاني - ليحسبون - كما لو طرح الضمير على معنى أنهم يحسبون الصيحة نفس العدو ، وكان الظاهر عليه هو أو هي العدو لكنه أتى بضمير العقلاء المجموع لمراعاة معنى الخبر أعني العدو بناءاً على أنه يكون جمعاً ومفرداً وهو هنا جمع ، وفيه أنه تخريج متكلف بعيد جداً لا حاجة إليه وإن كان المعنى عليه لا يخلو عن بلاغة ولطف ، ومع ذلك لا بساعد عليه ترتب * ( فاحذرهم ) * لأن التحذير منهم يقتضي وصفهم بالعداوة لا بالجبن * ( قَاتَلَهُمُ اللَّهُ ) * أي لعنهم وطردهم فإن القتل قصارى شدائد الدنيا وفظائعها ، وكذلك الطرد عن رحمة الله تعالى والبعد عن جنابه الأقدس منتهى عذابه عز وجل وغاية نكاله جل وعلا في الدنيا والآخرة ، والكلام دعاء وطلب من ذاته سبحانه أن يلعنهم ويطردهم من رحمته تعالى ، وهو من أسلوب التجريد فلا يكون من إقامة الظاهر مقام الضمير لأنه يفوت به نضارة الكلام ، أو تعليم للمؤمنين أن يدعو عليهم بذلك فهو على معنى قولوا : قاتلهم الله ، وجوز أن لا يكونوا من الطلب في شيء بأن يكون المراد أن وقوع اللعن بهم مقرر لا بد منه ، وذكر بعضهم أن قاتله الله كلمة ذم وتوبيخ ، وتستعملها العرب في موضع التعجب من غير قصد إلى لعن ، والمشهور تعقيبها بالتعجب نحو قاتله الله ما أشعره ، وكذا قوله سبحانه هنا : * ( قاتلهم الله ) * . * ( أنَّي يُؤْفَكُونَ ) * وهذا تعجيب من حالهم ، أي كيف يصرفون عن الحق إلى ما هم عليه من الكفر والضلال ؟ فأني ظرف متضمن للاستفهام معمول لما بعده ، وجوز ابن عطية كونه ظرفاً - لقاتلهم - وليس هناك استفهام ، وتعقبه أبو حيان بأن * ( أني ) * لا تكون لمجرد الظرفية أصلاً ، فالقول بذلك باطل . * ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْاْ رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ ) * . * ( وَإذَا قيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفرْ لَكُمْ رَسُولُ الله لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ ) * أي عطفوها وهو كناية عن التكبر والاعراض على ما قيل ؛ وقيل : هو على حقيقته أي حركوها استهزاءاً ، وأخرجه ابن المنذر عن ابن جريج * ( وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ ) * يعرضون عن القائل أو عن الاستغفار * ( وَهُمْ مُّسْتَكْبرُونَ ) * عن ذلك . روي أنه لما صدق الله تعالى زيد بن أرقم فيما أخبر به عن ابن أبي مقت الناس ابن أبي ولامه المؤمنون من قومه ، وقال بعضهم له : امض إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم واعترف بذنبك يستغفر لك فلوى رأسه إنكاراً لهذا الرأي ، وقال لهم : لقد أشرتم علي بالإيمان فآمنت ، وأشرتم علي بأن أعطي زكاة مالي ففعلت ، ولم يبق لكم إلا أن تأمروني بالسجود لمحمد صلى الله عليه وسلم ، وفي حديث أخرجه عبد بن حميد . وابن أبي حاتم عن ابن جبير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له : " تب " فجعل يلوي رأسه فأنزل الله تعالى : * ( وإذا قيل لهم ) * الخ ، وفي حديث أخرجه الإمام أحمد . والشيخان . والترمذي . والنسائي . وغيرهم عن زيد بعد نقل القصة إلى أن قال : حتى أنزل الله تعالى تصديقي في * ( إذا جاءك المنافقون ) * ( المنافقون : 1 ) ما نصه فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ليستغفر لهم فلووا رؤوسهم ، فجمع الضمائر : إما على ظاهره ، وإما من باب بنو تميم قتلوا فلاناً ، وإذاً على ما مر ، و * ( يستغفر ) * مجزوم في جواب الأمر ، و * ( رسول الله ) *