الخطيب البغدادي

384

تاريخ بغداد

وبلغني أنه بعث بكتابه المسند إلى أبي العباس بن عقدة لينظر فيه . وجعل في الأجزاء بين كل ورقتين دينارا ، وكان أبو الحسن الدارقطني هو الناظر في أصوله ، والمصنف له كتبه ، فحدثني القاضي أبو العلاء الواسطي عن الدارقطني . قال : صنفت لدعلج المسند الكبير . فكان إذا شك في حديث ضرب عليه ، ولم أر في مشايخنا أثبت منه . قال لي أبو العلاء ، وقال عمر بن جعفر البصري : ما رأيت ببغداد ممن انتخبت عليهم أصح كتبا ، ولا أحسن سماعا من دعلج بن أحمد . حدثني علي بن محمد بن نصر الدينوري قال سمعت حمزة بن يوسف السهمي يقول : سئل أبو الحسن الدارقطني عن دعلج بن أحمد فقال : كان ثقة مأمونا . وذكر له قصة في أمانته وفضله ونبله . حدثني أبو القاسم الأزهري عن أبي عمر محمد بن العباس بن حيويه قال : أدخلني دعلج إلى داره ، وأراني بدرا من المال معبأة في منزله وقال لي : يا أبا عمر خذ من هذه ما شئت . فشكرت له وقلت : أنا في كفاية وغني عنها ، فلا حاجة لي فيها . حكى لي القاضي أبو العلاء الواسطي عن دعلج أنه سئل عن سبب مفارقته مكة بعد أن سكنها فقال : خرجت ليلة من المسجد ، فتقدم ثلاثة من الأعراب فقالوا : أخ لك من أهل خراسان قتل أخانا . فنحن نقتلك به . فقلت : اتقوا الله فان خراسان ليست بمدينة واحدة . فلم أزل أداريهم إلى أن اجتمع الناس وخلوا عني . فكان هذا سبب انتقالي إلى بغداد . وكان يقول : ليس في الدنيا مثل داري ، وذاك أنه ليس مثل في الدنيا مثل بغداد ، ولا ببغداد مثل القطيعة ، ولا في القطيعة مثل درب أبي خلف . وليس في الدرب مثل داري . حدثني أبو بكر محمد بن علي بن عبد الله الحداد - وكان من أهل الدين والقرآن والصلاح - عن شيخ سماه ، فذهب عني حفظ اسمه ، قال : حضرت يوم الجمعة مسجد الجامع بمدينة المنصور ، فرأيت رجلا بين يدي في الصف حسن الوقار ظاهر الخشوع ، دائم الصلاة ، لم يزل ينتفل مذ دخل المسجد إلى قرب قيام الصلاة ثم جلس ، قال : فعلتني هيبته ودخل قلبي محبته ، ثم أقيمت الصلاة فلم يصل مع الناس الجمعة ، فكبر على ذلك من أمره ، وتعجبت من حاله ، وغاظني فعله ، فلما قضيت الصلاة تقدمت إليه وقلت له أيها الرجل ما رأيت أعجب من أمرك ! أطلت النافلة