الخطيب البغدادي

370

تاريخ بغداد

أرى لأحد أن يناضل عن أحد من هؤلاء ، فإنهم إن تهتكوا يوما قيل لهذا المناضل أنت من أصحابه ، وإن طلب يوما طلب هذا به ، لا ينبغي لمن يعقل أن يمدح هؤلاء ، ثم قال لي : ترى داود هذا ؟ لو اقتصر على ما يقتصر عليه أهل العلم لظننت أنه يكمد أهل البدع بما عنده من البيان والآلة ، ولكنه تعدى ، لقد قدم علينا من نيسابور فكتب إلي محمد بن رافع ومحمد بن يحيى وعمرو بن زرارة وحسين بن منصور ومشيخة نيسابور بما أحدث هناك ، فكتمت ذلك لما خفت من عواقبه ، ولم أبد له شيئا من ذلك ، فقدم بغداد وكان بينه وبين صالح بن أحمد حسن ، فكلم صالحا أن يتلطف له في الاستئذان على أبيه ، فأتى صالح أباه فقال له : رجل سألني أن يأتيك ؟ قال ما اسمه ؟ قال داود ، قال من أين ؟ قال من أهل أصبهان ، قال : أي شئ صناعته ؟ قال وكان صالح يروغ عن تعريفه إياه ، فما زال أبو عبد الله يفحص عنه حتى فطن فقال هذا قد كتب إلى محمد بن يحيى النيسابوري في أمره إنه زعم أن القرآن محدث فلا يقربني . قال يا أبت ينتفي من هذا وينكره ، فقال أبو عبد الله : أحمد بن محمد بن يحيى أصدق منه ، لا تأذن له في المصير إلي . أخبرنا الحسن بن أبي بكر عن أحمد بن كامل القاضي . قال : وفى شهر رمضان منها - يعني سنة سبعين ومائتين - مات داود بن علي بن خلف الأصبهاني يكنى أبا سليمان ، وهو أول من أظهر انتحال الظاهر ونفى القياس في الأحكام قولا ، واضطر إليه فعلا ، فسماه دليلا . وأخبرني الحسين بن إسماعيل المحاملي - وكان به خبيرا - قال : كان داود جاهلا بالكلام . وأخبرني أبو عبد الله الوراق أنه كان يورق على داود ، وأنه سمعه - وسئل عن القرآن - فقال أما الذي في اللوح المحفوظ فغير مخلوق ، وأما الذي هو بين الناس فمخلوق . أخبرني الأزهري حدثنا محمد بن حميد اللخمي حدثنا القاضي بن كامل إملاء - قال حدثني أبو عبد الله الوراق المعروف بجوار . قال : كنت أورق على داود الأصبهاني ، وكنت عنده يوما في دهليزه مع جماعة من الغرباء ، فسئل عن القرآن فقال : القرآن الذي قال الله تعالى : ( لا يمسه إلا المطهرون ) [ الواقعة 79 ] وقال : ( في كتاب مكنون ) [ الواقعة 78 ] غير مخلوق ، وأما الذي بين أظهرنا يمسه الحائض