الخطيب البغدادي

166

تاريخ بغداد

وأنت اليوم خال ، فإن رأيت أن تنظر فيهما ؟ فقال له جعفر : على أن تقيم عندي اليوم ، فقال له أحمد : نعم ! فصرف دوابه وأقام فلما تغدوا جاءه بالرقاع فقال له جعفر : هذا وقت ذا ؟ دعنا اليوم ، فأمسك عنه أحمد وانصرف في ذلك اليوم ولم ينظر في الرقاع ، فلما كان بعد أيام خلا به فذاكره الرقاع ، فقال : نعم على أن تقيم عندي اليوم ، فأقام عنده ففعل به مثل الفعل الأول حتى فعل به ذلك ثلاثا ، فلما كان في آخر يوم أذكره فقال : دعني الساعة وناما ، فانتبه جعفر قبل أحمد فقال لخادم له : اذهب إلى خف أحمد بن الجنيد فجئني بكل رقعة فيه . وانظر لا يعلم أحمد ، فذهب الغلام وجاء بالرقاع ، فوقع جعفر فيها عن آخرها بخطه بما أحب أصحابها ، ووكد ذلك ، ثم أمر الخادم أن يردها في الخف ، فردها ، وانتبه أحمد وأخذوا في ، شأنهم ولم يقل له فيها شيئا ، وانصرف أحمد ، فركب يعلل أصحاب الرقاع بها أياما ، ثم قال لكاتب له : ويحك هذه الرقاع قد أخلقت في خفي ، وهذا - يعنى جعفرا - ليس ينظر فيها ، فخذها تصفحها وجدد ما خلق منها فأخذها الكاتب فنظر فيها فوجد الرقاع موقعا فيها بما سأل أهلها وأكثر ، فتعجب من كرمه ونبل أخلاقه ، ومن أنه قد قضى حاجته ولم يعلمه بها لئلا يظن أنه اعتد بها عليه . أخبرني أبو القاسم الأزهري حدثنا محمد بن العباس الخزاز حدثنا محمد بن خلف بن المرزبان حدثنا أبو يعقوب النخعي حدثنا علي بن زيد - كاتب العباس بن المأمون - حدثني إسحاق بن إبراهيم الموصلي حدثني أبي . قال : حج الرشيد ومعه جعفر بن يحيى البرمكي ، قال : وكنت معهم ، فلما صرنا إلى مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم قال لي جعفر بن يحيى : أحب أن تنظر لي جارية ، ولا تبقى غاية في حذاقتها بالغناء والضرب ، والكمال في الظرف والأدب ، وجنبني قولهم صفراء ، قال فوضعتها على يد من يعرف ، قال فأرشدت إلى جارية لرجل ، فدخلت عليه فرأيت رسوم النعمة ، وأخرجها فلم أر أجمل منها ، ولا أصبح ولا آدب ، قال ثم تغنت إلى أصواتا وأجادتها ، قال فقلت لصاحبها : قل ما شئت ، قال أقول لك قولا لا أنقص منه درهما ، قال قلت قل ، قال أربعين ألف دينار ، قال قلت قد أخذتها واشترطت نظرة ، قال ذاك لك ، قال فأتيت جعفر بن يحيى فقلت قد أصبت حاجتك على غاية الكمال ، والظرف والأدب والجمال ، ونقاء اللون ، وجودة الضرب والغناء ، وقد اشترطت نظرة ، فاحمل المال ومر بنا ، قال فحملنا المال على حمالين وحاء جعفر مستخفيا فدخلنا على الرجل فأخرجها ، فلما رآها جعفر عجب بها ، وعرف أن قد صدقته ، ثم غنته فازداد بها عجبا ، فقال