الخطيب البغدادي

338

تاريخ بغداد

دهري أغلس في كل يوم إلى هشيم أو غيره من المحدثين فأسمع منه ، ثم أصير إلى الكسائي أو الفراء أو ابن غزالة فأقرأ عليه جزءا من القرآن ، ثم آتي إلى منصور زلزل فيضاربني طريقين أو ثلاثة ، ثم آتي عاتكة بنت شهدة فآخذ منها صوتا أو صوتين . ثم آتي الأصمعي وأبا عبيدة فأناشدهما وأحدثهما وأستفيد منهما ، ثم أصير إلى أبي فأعلمه ما صنعت ، ومن لقيت ، وما أخذت ، وأتغدى معه . فإذا كان العشى رحلت إلى أمير المؤمنين الرشيد . وقال محمد : أخبرني الصولي قال : حدثني عبد الله بن المعتز ، حدثني أبو عبد الله الهشامي . قال : اعتبر أهلنا على إسحاق بأن دعوه ومدوا ستارة وأقعدوا كاتبين ضابطين بحيث لا يراهما إسحاق ، وقالوا : كلما غنت الستارة صوتا فتكلم عليه إسحاق ، فاكتبا الصوت ، واكتبا لفظه فيه ، وجعل إسحاق كلما سمع صوتا أخبر بالشعر لمن هو ، ونسب الصوت وذكر جميع من تغنى فيه ، وخبرا إن كان له خبر ، كتب ذلك كله وحفظ . ثم دعوا إسحاق بعد مدة طويلة وضربوا ستارة وأمروا من خلفها أن يغنين بمثل ما كن غنين به في ذلك اليوم ، ففعلن وابتدأ إسحاق يتكلم في الغناء بمثل ما كان تكلم به ، ما خرم حرفا . قال : فعلموا وعلم الناس أنه لا يقول إلا صوابا وحقا . وعجبوا منه . حدثني علي بن المحسن قال : وجدت في كتاب جدي علي بن محمد بن أبي الفهم التنوخي ، حدثنا الحرمي بن أبي العلاء ، حدثنا أبو خالد بن يزيد بن محمد المهلبي قال : سمعت إسحاق الموصلي يقول : لما خرجنا مع الرشيد إلى الرقة قال لي الأصمعي : كم حملت معك من كتبك ؟ قلت : تخففت ، فحملت ثانية أحمال ، ستة عشر صندوقا ! قال : فعجب فقلت : كم معك يا أبا سعيد ؟ قال : ما معي إلا صندوق واحد ، قلت : ليس إلا ؟ قال : وتستقل صندوقا من حق ! قال أبو خالد : وسمعت إسحاق بن إبراهيم الموصلي يقول : رأيت في منامي كأن جريرا ناولني كبة من شعر فأدخلتها في فمي ، فقال بعض المعبرين : هذا رجل يقول من الشعر ما شاء ، قال : وجاء مروان بن أبي حفصة يوما إلى أبي فاستنشدني من شعري فأنشدته : إذا كانت الأحرار أصلي ومنصبي * ورافع ضيمي حازم وابن حازم عطست بأنف شامخ وتناولت * يداي السماء قاعدا غير قائم قال : فجعل مروان يستحسن ذلك ويقول لأبي : إنك لا تدرى ما يقول هذا الغلام !