الخطيب البغدادي
311
تاريخ بغداد
وكان قد جمع الكثير من الحديث ، وخرج أبوابا وتراجم وشيوخا ، كتبت عنه منتخبا . وكان من أهل العلم بالقراءات ، ورأيت لأبي العلاء أصولا عتقا سماعه فيها صحيح ، وأصولا مضطربة ، وسمعته يذكر أن عنده تاريخ شباب العصفري ، فسألته إخراج أصله لأقرأه عليه فوعدني بذلك . ثم اجتمعت مع أبي عبد الله الصوري فتجارينا ذكره ، فقال لي : لا ترد أصله بتاريخ شباب فإنه لا يصلح لك . قلت : وكيف ذاك ؟ فذكر أن أبا العلاء أخرج إليه الكتاب فرآه قد سمع فيه لنفسه تسميعا طريا ، مشاهدته تدل على فساده . وذاكرت أبا العلاء يوما بحديث كتبته عن أبي نعيم الحافظ عن أبي محمد بن السقا فقال : قد سمعت هذا الحديث من ابن السقا وكتبه عني عبد الله بن بكير ، وكتاب ابن بكير عندي ، فسألته إخراجه إلي ، فوعدني بذلك ، ثم أخرجه إلى بعد أيام ، وإذا جزء كبير بخط ابن بكير قد كتب فيه عن جماعة من الشيوخ ، وقد علق عن أبي العلاء فيه الحديث ، ونظرت في الجزء فإذا ضرب طري على تسميع من بعض أولئك الشيوخ ، ظننت أن أبا العلاء كان قد ألحق ذلك التسميع لنفسه ، ثم لما أراد إخراج الجزء إلى خشي أن أستنكر التسميع لطراوته فضرب عليه ، ورأيت له أشياء سماعه فيها مفسود ، إما محكوك بالسكين ، أو مصلح بالقلم ، ثم قرأت عليه حديثا من المسلسلات فقال : هذا الحديث عندي يعلو من طريق غير هذا . فسألته إخراجه فأخرجه إلي في رقعة بخطه ، وقرأه علي من لفظه فقال : نا أبو محمد عبد الله ابن محمد بن عثمان المزني الحافظ - وهو آخذ بيدي - نبأنا أبو يعلى أحمد بن علي الموصلي - وهو آخذ بيدي - نبأنا أبو الربيع الزهراني - وهو أخذ بيدي - قال : حدثني مالك - وهو آخذ بيدي - قال : حدثني نافع - وهو آخذ بيدي : " قال : حدثني ابن عباس - وهو آخذ بيدي . قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بيدي : " من أخذ بيد مكروب أخذ الله بيده " . فلما قرأه علي استنكرته ، وأظهرت التعجب منه ، قلت له : هذا الحديث من هذا الطريق غريب جدا ، وأراه باطلا . فذكر أن له به أصلا نقله منه إلى الرفعة ، وأن الأصل قريب إليه لا يتعذر إخراجه عليه ، واعتل بأن له شغلا يمنعه عن إخراجه في ذلك الوقت ، فسألته أن يخرجه بعد فراغه من شغله . فأجاب إلى أنه