الآلوسي
81
تفسير الآلوسي
وقال عكرمة : فاتحين آذانهم إلى الصوت ، وعن ابن عباس ناظرين إليه لا تقلع أبصارهم عنه وأنشد قول تبع : تعبدني نمر بن سعد وقد أرى * ونمر بن سعد لي " مطيع ومهطع " وفي رواية أنه فسره بخاضعين وأنشد البيت ، وقيل : خافضين ما بين أعينهم ، وقال سفيان : شاخصة أبصارهم إلى السماء ، وقيل : أصل الهطع مد العنق ، أو مد البصر ، ثم يكنى به عن الإسراع ، أو عن النظر والتأمل فلا تغفل ، * ( يَقُولُ الكَافرُونَ هَاذَا يَوْمٌ عَسرٌ ) * صعب شديد لما يشاهدون من مخايل هو له وما يرتقبون من سوء منقلبهم فيه ، وفي إسناد القول المذكور إلى الكفار تلويح بأنه على المؤمنين ليس كذلك . * ( كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُواْ عَبْدَنَا وَقَالُواْ مَجْنُونٌ وازْدُجِرَ ) * . * ( كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوح ) * شروع في تعداد بعض ما ذكر من الأنباء الموجبة للازدجار ؛ ونوع تفصيل لها وبيان لعدم تأثرهم بها تقريراً لفحوى قوله تعالى : * ( فما تغن النذر ) * ( القمر : 5 ) والفعل منزل منزلة اللازم أي فعلت التكذيب قبل تكذيب قومك قوم نوح ، وقوله تعالى : * ( فَكَذَّبُواْ عَبْدَنَا ) * تفسير لذلك التكذيب المبهم كما في قوله تعالى : * ( ونادى نوح ربه فقال ) * ( هود : 45 ( الخ ، وفيه مزيد تحقيق وتقرير للتكذيب ، وجوز أن يكون المعنى كذبوا تكذيباً إثر تكذيب كلما خلا منهم قرن مكذب جاء عقيبه قرن آخر مكذب مثله ، أو كذبت قوم نوح الرسل فكذبوا عبدنا أي لما كانوا مكذبين للرسل جاحدين للنبوة رأساً كذبوا نوحاً لأنه من جملة الرسل ، والفاء عليه سببية ، وقيل : معنى كذبت قصدت التكذيب وابتدأته ، ومعنى فكذبوا وبلغوا نهايته كما قيل في قوله : قد جبر الدين الإله فجبر وفي ذكره عليه السلام بعنوان العبودية مع الإضافة إلى نون العظمة تفخيم له عليه السلام ورفع لمحله وتشنيع لمكذبيه . * ( وَقَالُواْ مَجْنُونٌ ) * أي لم يقتصروا على مجرد التكذيب بل نسبوه إلى الجنون فقالوا هو مجنون * ( وازْدُجرَ ) * عطف على - قالوا - وهو إخبار منه عز وجل أي وزجر عن التبليغ بأنواع الأذية والتخويف قاله ابن زيد ، وقرأ * ( لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين ) * ( الشعراء : 116 ) وقال مجاهد : هو من تمام قولهم أي هو مجنون ، وقد ازدجرته الجن وذهبت بلبه وتخبطته ، والأول أظهر وأبلغ ، وجعل مبنياً للمفعول لغرض الفاصلة ، وطهر الألسنة عن ذكرهم دلالة على أن فعلهم أسوأ من قولهم : * ( فَدَعَا رَبَّهُ أَنُّى مَغْلُوبٌ فانتَصِرْ ) * . * ( فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي ) * أي بأني . وقرأ ابن أبي إسحاق . وعيسى . والأعمش . وزيد بن علي - ورويت عن عاصم - * ( إني ) * بكسر الهمزة على إضمار القول عند البصريين ، وعلى إجراء الدعاء مجرى القول عند الكوفيين * ( مَغُلُوبٌ ) * من جهة قومي مالي قدرة على الانتقام منهم * ( فانتَصرْ ) * فانتقم لي منهم ، وقيل : فانتصر لنفسك إذ كذبوا رسولك ، وقيل : المراد - بمغلوب - غلبتني نفسي حتى دعوت عليهم بالهلاك وهو خلاف الظاهر وما دعا عليه السلام عليهم إلا بعد اليأس من إيمانهم ، والتأكيد لمزيد الاعتناء بأمر الترحم المقصود من الأخبار . * ( فَفَتَحْنَآ أَبْوَابالسَّمَآءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ ) * . * ( فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاء بمَاء مُّنْهَمر ) * أي منصب ، وقيل : كثير قال الشاعر : أعيناي جوداً بالدموع ( الهوامر ) * على خير باد من معد وحاضر والباء للآلة مثلها في فتحت الباب بالمفتاح ، وجوز أن تكون للملابسة والأول أبلغ ، وفي الكلام استعارة تمثيلية بتشبيه تدفق المطر من السحاب بانصباب أنهاء انفتحت بها أبواب السماء وانشق أديم الخضراء . وهو الذي ذهب إليه الجمهور ، وذهب قوم إلى أنه على حقيقته وهو ظاهر كلام ابن عباس .