الآلوسي
72
تفسير الآلوسي
ليس لها من دون الله تعالى نفس كاشفة تكشف وقت وقوعها وتبينه لأنها من أخفى المغيبات ، فالكشف بمعنى التبيين والآية كقوله تعالى : * ( لا يجليها لوقتها إلا هو ) * ( الأعراف : 187 ) والتاء في * ( كاشفة ) * على جميع الأوجه للتأنيث ، وهو لتأنيث الموصوف المحذوف كما سمعت ، وبعضهم يقدر الموصوف حالاً ، والأول أولى ؛ وجوز أن تكون للمبالغة مثلها في علامة ، وتعقب بأن المقام يأباه لإيهامه ثبوت أصل الكشف لغيره عز وجل وفيه نظر ، وقال الرماني . وجماعة : يحتمل أن يكون * ( كاشفة ) * مصدراً كالعافية ، وخائنة الأعين أي ليس لها كشف من دون الله تعالى . * ( أَفَمِنْ هَاذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ ) * . * ( أفَمَنْ هَاذَا الْحَديث ) * أي القرآن * ( تَعْجَبُونَ ) * إنكاراً . * ( وَتَضْحَكُونَ وَلاَ تَبْكُونَ ) * . * ( وَتَضْحَكُونَ ) * استهزاءاً مع كونه أبعد شيء من ذلك * ( وَلاَ تَبْكُونَ ) * حزناً على ما فرطتم في شأنه وخوفاً من أن يحيق بكم ما حاق بالأمم المذكورة . * ( وَأَنتُمْ سَامِدُونَ ) * . * ( وَأنْتُمْ سَامدُونَ ) * أي لاهون كما روى عن ابن عباس جواباً لنافع بن الأزرق ، وأنشد عليه قول هزيلة بنت بكر وهي تبكي قوم عاد : ليت ( عاداً ) قبلوا الحق * ولم يبدوا جحودا قيل : قم فانظر إليهم * ثم دع عنك ( السمودا ) وفي رواية أنه رضي الله تعالى عنه سئل عن السمود ، فقال : البرطمة وهي رفع الرأس تكبراً أي وأنتم رافعون رؤوسكم تكبراً ، وروى تفسيره بالبرطمة عن مجاهد أيضاً ، وقال الراغب : السامد اللاهي الرافع رأسه - من سمد البعير في سيره - إذا رفع رأسه ، وقال أبو عبيدة : السمود الغناء بلغة حمير يقولون : يا جارية اسمدي لنا أي غنى لنا ، وروى نحوه عن عكرمة ، وأخرج عبد الرزاق . والبزار . وابن جرير . والبيهقي في " سننه " وجماعة عن ابن عباس أنه قال : هو الغناء باليمانية وكانوا إذا سمعوا القرآن غنوا تشاغلاً عنه ، وقييل : يفعلون ذلك ليشغلوا الناس عن استماعه ، والجملة الاسمية على جميع ذلك حال من فاعل - لا تبكون - ومضمونها قيد للنفي والانكار متوجه إلى نفي البكاء ووجود السمود ، وقال المبرد : السمود الجمود والخشوع كما في قوله : رمى الحدثان نسوة آل سعد * بمقدار سمدن له ( سمودا ) فرد شعورهن السود بيضا * ورد وجوههن البيض سودا والجملة عليه حال من فاعل - تبكون - أيضاً إلا أن مضمونها قيد للمنفى ، والإنكار وارد على نفي البكاء والسمود معاً فلا تغفل ، وف حرف أبيّ . وعبد الله - تضحكون - بغير واو ، وقرأ الحسن - تعجبون تضحكون - بغير واو وضم التاءين وكسر الجيم والحاء ، واستدل بالآية كما في أحكام القرآن على استحباب البكاء عند سماع القرآن وقراءته ، أخرج البيهقي في " شعب الايمان " عن أبي هريرة قال : " لما نزلت * ( أفمن هذا الحديث ) * الآية بكى أصحاب الصفة حتى جرت دموعهم على خدودهم فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم حنينهم بكى معهم فبكينا ببكائه فقال عليه الصلاة والسلام : لا يلج النار من بكى من خشية الله تعالى ولا يدخل الجنة مصرّ على معصيته ولو لم تذنبوا لجاء الله تعالى بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم " وأخرج أحمد في الزهد . وابن أبي شيبة . وهناد . وغيرهم عن صالح أبي الخليل قال : لما نزلت هذه الآية * ( أفمن هذا الحديث تعجبون وتضحكون ولا تبكون ) * ما ضحك النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك إلا أن يتبسم " ولفظ عبد بن حميد " فما رؤى النبي عليه الصلاة والسلام ضاحكاً ولا متبسماً حتى ذهب من الدنيا " وفيه سد باب الضحك عند قراءة القرآن ولو لم يكن استهزاءاً والعياذ بالله عز وجل . / * ( فاسْجُدُواْ لِلَّهِ واعْبُدُواْ ) * .