الآلوسي
61
تفسير الآلوسي
قوله تعالى : * ( ليَجْزيَ الَّذينَ أَسَائُواْ بمَا عَملُواْ ) * أي خلق ما فيهما ليجزي الضالين بعقاب ما عملوا من الضلال الذي عبر عنه بالإساءة بياناً لحاله ؛ أو بمثل ما عملوا ، أو بسبب ما عملوا على أن الباء صلة الجزاء بتقدير مضاف أو للسببية بلا تقدير * ( وَيَجْزيَ الَّذينَ أَحْسَنُواْ ) * أي اهتدوا * ( بالْحُسْنَى ) * أي بالمثوبة الحسنى التي هي الجنة ، أو بأحسن من أعمالهم أو بسبب الأعمال الحسنى تكميل لما قبل لأنه سبحانه لما أمره عليه الصلاة والسلام بالإعراض نفي توهم أن ذلك لأنهم يتركون سدى ، وفي العدول عن ضمير ربك إلى الاسم الجامع ما ينبئ عن زيادة القدرة وأن الكلام مسوق لوعيد المعرضين وأن تسوية هذا الملك العظيم لهذه الحكمة فلا بدّ من ضال ومهتد ، وَمِن أن يلقى كل ما يستحقه ، وفيه أنه صلى الله عليه وسلم يلقى الحسنى جزاءاً لتبليغه وهم يلقون السوأى جزاءاً لتكذيبهم ، وكرر فعل الجزاء لإبراز كمال الاعتناء به والتنبيه على تباين الجزاءين . وجوز أن يكون معنى * ( فأعرض ) * الخ لا تقابلهم بصنيعهم وكلهم إلى ربك أنه أعلم بك وبهم فيجزى كلاً ما يستحقه ، ولا يخفى ما في العدول عن الضميرين في * ( بمن ضل ) * * ( وبمن اهتدى ) * وجعل قوله تعالى : * ( ليجزى ) * على هذا متعلقاً بما يدل عليه قوله تعالى : * ( إن ربك هو أعلم ) * الخ أي ميز الضال عن المهتدي وحفظ أحوالهم * ( ليجزى ) * الخ ، وقوله سبحانه : * ( ولله ملك السماوات ) * جملة معترضة تؤكد حديث أنهم يجزون البتة ولا يهملون كأنه قيل : هو سبحانه أعلم بهم وهم تحت ملكه وقدرته ، وجوز على ذلك المعنى أن يتعلق * ( ليجزى ) * بقوله تعالى : * ( ولله ما في السماوات ) * كما تقدم على تأكيد أمر الوعيد ، أي - هو أعلم بهم - وإنما سوي هذا الملك للجزاء ، ورجح بعضهم ذلك المعنى بالوجهين المذكورين على ما مرّ ، وجوز في جملة * ( لله ما في السماوات ) * كونها حالاً من فاعل أعلم سواء كان بمعنى عالم أولاً ، وفي * ( ليجزى ) * تعلقه - بضل . واهتدى - على أن اللام للعاقبة أي هو تعالى * ( أعلم بمن ضل ) * ليؤول أمره إلى أن يجزيه الله تعالى بعمله ، و * ( بمن اهتدى ) * ليؤول أمره إلى أن يجزيه بالحسنى ، ولا يخفى بعده ، وأبعد منه بمراحل تعلقه بقوله سبحانه : * ( لا تغني شفاعتهم ) * كما ذكره مكي ، وقرأ زيد بن علي - لنجزى - ونجزى بالنون فيهما * ( الَّذينَ يَجْتَنبُونَ كَبَائر الاثْم ) * بدل من الموصول الثاني وصيغة الاستقبال في صلته للدلالة على تجدد الاجتناب واستمراره . أو بيان . أو نعت . أو منصوب على المدح . أو مرفوع على أنه خبر محذوف ؛ و * ( الاثم ) * الفعل المبطىء عن الثواب وهو الذنب . وكبائره ما يكبر عقابه ، وقرأ حمزة . والكسائي . وخلف - كبير الاثم - على إرادة الجنس ، أو الشرك * ( والْفَواحشَ ) * ما عظم قبحه من الكبائر فعطفه على ما تقدم من عطف الخاص على العام ، وقيل : الفواحش والكبائر مترادفان * ( إلاَّ اللَّمَمَ ) * ما صغر من الذنوب وأصله ما قل قدره ، ومنه لمَةُ الشعر لأنها دون الوفرة ، وفسره أبو سعيد الخدري بالنظرة . والغمزة . والقبلة وهو من باب التمثيل ، وقيل : معناه الدنو من الشيء دون ارتكاب له من ألممت بكذا أي نزلت به وقاربته من غير مواقعة - وعليه قول الرماني - هو الهمّ بالذنب وحديث النفس دون أن يواقع ، وقول ابن المسيب : ما خطر على القلب ، وعن ابن عباس . وابن زيد هو ما ألموا به من الشرك والمعاصي في الجاهلية قبل الإسلام ، والآية نزلت لقول الكفار للمسلمين قد كنتم بالأمس تعملون أعمالنا فهي مثل قوله تعالى : * ( وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف ) * ( النساء : 23 ) على ما في " البحر " ، وقيل : هو مطلق الذنب .