الآلوسي
23
تفسير الآلوسي
حواجه من حفظ المال وإحضار الطعام من ماله بين يديه ، فنفي الإرادة الأولى لا يستلزم نفي الإرادة الثانية فكرر النهي على معنى لا أريد هذا ولا أريد ذلك ، الثانية أن ترتيب النفيين كما تضمنه النظم الجليل من باب الترقي في بيان غناه عز وجل كأنه قال سبحانه : لا أطلب منهم رزقاً ولا ما هو دون ذلك وهو تقديم الطعام بين يدي السيد فإن ذلك أمر كثيراً ما يطلب من العبيد إن كان التكسب لا يطلب منهم ، الثالثة أنه سبحانه قال : ما أريد منهم من رزق دون ما أريد منهم أن يرزقون لأن التكسب لطلب العين لا الفعل ، وقال سبحانه : * ( ما أريد أن يطعمون ) * دون ما أريد من طعام لأن ذلك للإشارة إلى الاستغناء عما يفعله العبد الغير المأمور بالتكسب كعبد وافر المال والحاجة إليه للفعل نفسه ، الرابعة ، أنه جل وعلا خص الاطعام بالذكر لأن أدنى درجات الاستعانة أن يستعين السيد بعبده في تهيئة أمر الطعام ونفي الأدني يتبعه نفي الأعلى بطريق الأولى فكأنه قيل : ما أريد منهم من عين ولا عمل ، الخامسة أن * ( ما ) * لنفي الحال إلا أن المراد به الدنيا وتعرض له دون نفي الاستقبال لأن من المعلوم البين أن العبد بعد موته لا يصلح أن يطلب منه رزق أو إطعام انتهى ، فتأمله . ويفهم من ظاهر كلام الزمخشري أن المعنى ما أريد منهم من رزق لي ولهم ، وفي البحر ما أريد منهم من رزق أي أن يرزقوا أنفسهم ولا غيرهم * ( وما أريد أن يطعمون ) * أي أن يطعموا خلقي فهو على حذف مضاف قاله ابن عباس انتهى ، ونحوه ما قيل : المعنى ما أريد أن يرزقوا أحداً من خلقي ولا أريد أن يطعموه ، وأسند الإطعام إلى نفسه سبحانه لأن الخلق كلهم عيال الله تعالى . ومن أطعم عيال أحد فكأنما أطعمه ، وفي الحديث " يا عبدي مرضت فلم تعدني وجعت فلم تطعمني " فإنه كما يدل عليه آخره على معنى مرض عبدي فلم تعده وجاع فلم تطعمه ؛ وقيل : الآية مقدرة بقل فتكون بمعنى قوله سبحانه : * ( قل لا أسألكم عليه أجراً ) * والغيبة فيها رعاية للحكاية إذ في مثل ذلك يجوز الأمر أن الغيبة والخطاب ، وقد قرىء بهما في قوله تعالى : * ( قل للذين كفروا ستغلبون ) * ، وقيل : المراد قل لهم وفي حقهم فتلائمه الغيبة في * ( منهم ) * و * ( يطعمون ) * ولا ينافي ذلك قراءة - أني أنا الرزاق - فيما بعد لأنه حينئذ تعليل للأمر بالقول ، أو الائتمار لا لعدم الإرادة ، نعم لا شك في أنه قول بعيد جداً . * ( إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ) * . * ( إنَّ الله هُوَ الرَّزَّاقُ ) * الذي يرزق كل مفتقر إلى الرزق لا غيره سبحانه استقلالاً ، أو اشتراكاً ويفهم من ذلك استغناؤه عز وجل عن الرزق * ( ذُو الْقُوَّة أي القدرة * ( الْمَتينُ ) * شديد القوة ، والجملة تعليل لعدم الإرادة قال الإمام : كونه تعالى هو الرزاق ناظر إلى عدم طلب الرزق لأن من يطلبه يكون فقيراً محتاجا ؛ وكونه عز وجل هو ذو القوة المتين ناظر إلى عدم طلب العمل المراد من قوله سبحانه : * ( وما أريد أن يطعمون ) * لأن من يطلبه يكون عاجزاً لا قوة له فكأنه قيل : ما أريد منهم من رزق لأني أنا الرزاق وما أريد منهم من عمل لأني قوي متين ، وكان الظاهر - أني أنا الرزاق - كما جاء في قراءة له صلى الله عليه وسلم لكن التفت إلى الغيبة ، والتعبير بالاسم الجليل لاشتهاره بمعنى المعبودية فيكون في ذلك إشعار بعلة الحكم ولتخرج الآية مخرج المثل كما قيل ذلك في قوله تعالى : * ( إن الباطل كان زهوقاً ) * ( الإسراء : 81 ) والتعبير به على القول بتقدير قل فيما تقدم هو الظاهر ، وتحتاج القراءة الأخرى إلى ما ذكرناه آنفاً ، وآثر سبحانه ذو القوة على القوى قيل : لأن في * ( ذو ) * كما قال ابن حجر الهيثمي وغيره تعظيم ما أضيفت إليه ، والموضوف بها والمقام يقتضيه ولذا جيء