الآلوسي

158

تفسير الآلوسي

وقرأ المفضل عن عاصم * ( تكذنون ) * بالتخفيف من الكذب وهو قولهم في القرآن إنه - وحاشاه - افتراء ويرجع إلى هذا قولهم في المطر : إنه من الأنواء لأن القرآن ناطق بخلافه ، وقوله تعالى : * ( فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ ) * . * ( فَلَوْلاَ إذَا بَلَغَت الْحُلْقُومَ ) * الخ تبكيت كما سمعت وذلك باعتبار تكذيبهم بما نطق به قوله تعالى : * ( نحن خلقناكم ) * الخ أعني الآيات الدالة على كونهم تحت ملكوته تعالى من حيث ذواتهم ومن حيث طعامهم وشرابهم وسائر أسباب معايشهم - ولولا - للتحضيض بإظهار عجزهم ، و * ( إذا ) * ظرفية ، و * ( الحلقوم ) * مجرى الطعام ؛ وضمير * ( بلغت ) * للنفس لانفهامها من الكلام وإن لم يجر لها ذكر قبل ، والمراد بها الروح بمعنى البخار المنبعث عن القلب دون النفس الناطقة فإنها لا توصف بما ذكر وكأنه مبني على القول بتجرد النفس الناطقة وهي المسماة بالروح الأمرية ، وأنها لا داخل البدن ولا خارجه ولا تتصف بصفات الأجسام كالصعود والنزول وغيرهما على ما اختاره حجة الإسلام الغزالي وجماعة من المحققين ، ومذهب السلف أن النفس الناطقة وهي الروح المشار إليها بقوله تعالى : * ( يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي ) * ( الإسراء : 85 ) جسم لطيف جداً سار في البدن سريان ماء الورد في الورد وهو حي بنفسه يتصف بالخروج والدخول وغيرهما من صفات الأجسام ، وقد رد العلامة ابن القيم قول الغزالي ومن وافقه بأدلة كثيرة ذكرها في كتابه الروح ، ووصفها ببلوغ الحلقوم عليه ظاهر . وأما على القول بالتجرد وعدم التحيز فقيل : المراد به ضعف التعلق بالبدن وقرب انقطاعه عنه فكأنه قيل : فلولا إذا حان انقطاع تعلق الروح بالبدن . * ( وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ ) * . * ( وَأَنتُمْ ) * أيها الحاضرون حول صاحبها * ( حينَئذ ) * أي حين إذ بلغت الحلقوم ووصلت إليه أو حان انقطاع تعلقها * ( تَنظُرُونَ ) * إلى ما يقاسيه من الغمرات ، وقيل : * ( تنظرون ) * حالكم ووجهه أنهم يعلمون أن ما جرى عليه يجري عليهم فكأنهم شاهدوا حال أنفسهم وليس بذاك . وقرأ عيسى حينئذٍ بكسر النون اتباعاً لحركة الهمزة في إذ . * ( وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَاكِن لاَّ تُبْصِرُونَ ) * . * ( وَنَحْنُ أقْرَبُ إلَيْه ) * أي المحتضر المفهوم من الكلام * ( منكُمْ ) * والمراد بالقرب العلم وهو من إطلاق السبب وإرادة المسبب فإن القرب أقوى سبب للاطلاع والعلم ، وقال غير واحد : المراد القرب علماً وقدرة أي نحن أقرب إليه في كل ذلك منكم حيث لا تعرفون من حاله إلا ما تشاهدونه من آثار الشدّة من غير أن تقفوا على كنهها وكيفيتها وأسبابها الحقيقية ولا أن تقدروا على مباشرة دفعها إلا بما لا ينجع شيئاً ونحن المستولون لتفاصيل أحواله بعلمنا وقدرتنا أو بملائكة الموت * ( وَلَاكن لاَّ تُبْصرُونَ ) * لا تدركون كوننا أقرب إليه منكم لجهلكم بشؤوننا وقد علمت أن الخطاب للكفار ، وقيل : لا تدركون كنه ما يجري عليه على أن الاستدراك من تنظرون ؛ والإبصار من البصر بالعين تجوّز به عن الإدراك أو هو من البصيرة بالقلب ، وقيل : أريد بأقربيته تعالى إليه منهم أقربية رسله عز وجل أي ورسلنا الذين يقبضون روحه ويعالجون إخراجها أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرونهم . * ( فَلَوْلاَ إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ ) * . * ( فَلَوْلاَ إن كُنتُمْ غَيْرَ مَدينينَ ) * أي غير مربوبين من دان السلطان الرعية إذا ساسهم وتعبدهم ، ومنه قيل للعبد : مدين وللأمة مدينة قال الأخطل : ربت وربا في حجرها ابن " مدينة " * تراه على مسحاته يتركل والكلام ناظر إلى قوله تعالى : * ( نحن خلقناكم فلولا تصدقون ) * ( الواقعة : 57 ) ، وقيل : هو من دان بمعنى انقاد وخضع ، وتجوز به عن الجزاء كما في قولهم - كما تدين تدان - أي فلولا إن كنتم غير مجزيين وجعل ناظراً لإنكارهم البعث وليس بشيء * ( تَرْجِعُونَهَآ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ) * . * ( تَرْجعُونَهَا ) * أي الروح إلى مقرها والقائلون بالتجرد يقولون أي ترجعون تعلقها كما كان أولاً .