الآلوسي
130
تفسير الآلوسي
بلسان الحال لن تكوني ، وهذا كما تقول لمخاطبك ليس لنا ملك ولمعروفك كاذب أي لا يكذبك أحد فيقول : إنه غير واقع ، وفيه استعارة تمثيلية لأن الساعة لا تصلح مخاطباً إلا على ذلك إما على سبيل التخييل من باب لو قيل : للشحم أين تذهب ، وهو الأظهر وإما على التحقيق ، وجوز كون * ( كاذبة ) * من قولهم كذبت نفسه وكذبته إذا منته الأماني وقربت له الأمور البعيدة وشجعته على مباشرة الخطب العظيم ، واللام قيل : على حقيقتها أيضاً أي ليس لها إذا وقعت نفس تحدث صاحبها باطاقة شدتها واحتمالها وتغريه عليها . وفي " الكشف " إن اللام على هذا الوجه للتوقيت كما على الوجه الأول ، وجوز أيضاً كون * ( كاذبة ) * مصدراً بمعنى التكذيب وهو التثبيط وأمر اللام ظاهر أي ليس لوقعتها ارتداد ورجعة كالحملة الصادقة من ذي سطوة قاهرة ؛ وروى نحوه عن الحسن . وقتادة ، وذكر أن حقيقة التكذيب بهذا المعنى راجعة إلى تكذيب النفس إلى كذبها وإغرائها وتشجيعها وأنشد على ذلك لزهير : ليث بعثر يصطاد الرجال إذا * ما الليث ( كذب عن أقرانه ) صدقاً ويجوز جعل الكاذبة بمعنى الكذب على معنى ليس للوقعة كذب بل هي وقعة صادقة لا تطاق على نحو - حملة صادقة ، وحملة لها صادق - أو على معنى ليس هي في وقت وقوعها كذب لأنه حق لا شبهة فيه ، ولعل ما ذكر أظهر مما تقدم وإن روى نحوه عمن سمعت . نعم قيل : عليهما إن مجيء المصدر على زنة الفاعل نادر ، وقوله عز وجل : * ( خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ ) * . * ( خَافضَةٌ رَّافعَةٌ ) * خبر مبتدأ محذوف أي هي خافضة لأقوام رافعة لآخرين كما قال ابن عباس ، وأخرجه عنه جماعة ، والجملة تقرير لعظمتها وتهويل لأمرها فإن الوقائع العظام شأنها الخفض والرفع كما يشاهد في تبدل الدول وظهور الفتن من ذل الأعزة وعز الأذلة ، وتقديم الخفض على الرفع لتشديد التهويل ، أو بيان لما يكون يومئذ من حط الأشقياء إلى الدركات ورفع السعداء إلى درجات الجنات ، وعلى هذا قول عمر رضي الله تعالى عنه : خفضت أعداء الله تعالى إلى النار ورفعت أولياءه إلى الجنة ، أو بيان لما يكون من ذلك ومن إزالة الأجرام عن مقارها ونثر الكواكب وتسيير الجبال في الجو كالسحاب ، والضحاك بعد أن فسر الواقعة بالصيحة قال : خافضة تخفض قوتها لتسمع الأدنى * ( رافعة ) * ترفعها لتسمع الأقصى ، وروى ذلك أيضاً عن ابن عباس . وعكرمة ، وقدر أبو علي المبتدأ مقروناً بالفاء أي فهي * ( خافضة ) * وجعل الجملة جواب إذا فكأنه قيل : * ( إذا وقعت الواقعة ) * خفضت قوماً ورفعت آخرين ، وقرأ زيد بن علي . والحسن . وعيسى . وأبو حيوة . وابن أبي عبلة . وابن مقسم . والزعفراني . واليزيدي في اختياره * ( خافضة رافعة ) * بنصبهما ، ووجه أن يجعلا حالين عن الواقعة على أن * ( ليس لوقعتها كاذبة ) * اعتراض أو حالين عن وقعتها ، وقوله سبحانه : * ( إِذَا رُجَّتِ الاَْرْضُ رَجّاً ) * . * ( إذَا رُجَّت الأَرْضُ رَجّاً ) * أي زلزلت وحركت تحريكاً شديداً بحيث ينهدم ما فوقها من بناء وجبل متعلق - بخافضة - أو - برافعة - على أنه من باب الأعمال ، أو بدل من * ( إذا وقعت ) * كما قال به غير واحد ، وقال ابن جني . وأبو الفضل الرازي : * ( إذا رجت ) * في موضع رفع على أنه خبر للمبتدأ الذي هو * ( إذا وقعت ) * وليست واحدة منهما شرطية بل هي بمعنى وقت أي وقت وقوعها وقت رج الأرض ، وادعى ابن مالك أن * ( إذا ) * تكون مبتدأ ، واستدل بهذه الآية ، وقال أبو حيان : هو بدل من * ( إذا وقعت ) * وجواب الشرط عندي ملفوظ به وهو قوله تعالى : * ( فأصحاب الميمنة ) * ( الواقعة : 8 ) والمعنى إذا كان كذا وكذا ، فأصحاب الميمنة ما أسعدهم وما أعظم ما يجازون به أي إن سعادتهم وعظم رتبهم