الآلوسي
115
تفسير الآلوسي
وقال أبو حيان : إن الباء للتعدية والفعل مضمن معنى ما يعدي بها أي فيسحب بالنواصي الخ ، وفيه بحث . وظاهر كلام غير واحد أن - أل - عوض عن المضاف إليه الضمير أي بنواصيهم وأقدامهم ، ونص عليه أبو حيان فقال : - أل - فيهما عوض عن الضمير على مذهب الكوفيين ، والضمير محذوف على مذهب البصريين أي بالنواصي والأقدام منهم ، وأنت تعلم أن الخلاف بين أهل البلدين فيما إذا احتيج إلى الضمير للربط ولا احتياج إليه هنا ، نعم المعنى على الضمير وكيفية هذا الأخذ على ما روي عن الضحاك أن يجمع الملك بين ناصية أحدهم وقدميه في سلسلة من وراء ظهره ثم بكسر ظهره ويلقيه في النار ، وقيل : تأخذ الملائكة عليهم السلام بعضهم سحباً بالناصية وبعضهم سحباً بالقدم ، وقيل : تسحبهم الملائكة عليهم السلام تارة بأخذ النواصي وتارة بأخذ الأقدام ، قالوا بمعنى أو التي للتقسيم وهو خلاف الظاهر ، وإبهام الفاعل لأنه كالمتعين ، وقيل : للرمز إلى عظمته فقد أخرج ابن مردويه . والضياء المقدسي في صفة النار عن أنس قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " والذي نفسي بيده لقد خلقت ملائكة جهنم قبل أن تخلق جهنم بألف عام فهم كل يوم يزدادون قوة إلى قوتهم حتى يقبضوا على من قبضوا بالنواصي والإقدام . * ( فَبِأَىِّ ءَالاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ) * . * ( فَبأَي ءَالاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَان ) * يقال فيه نحو ما تقدم ، وقوله تعالى : * ( هَاذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِى يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ ) * . * ( هَاذه جَهَنَّمُ الَّتي يُكَذِّبُ بهَا الْمُجْرمُونَ ) * مقول قول مقدر معطوف على قوله تعالى : * ( يؤخذ ) * الخ أي ويقال هذه الخ . أو مستأنف في جواب ماذا يقال لهم لأنه مظنة للتوبيخ والتقريع ، أو حال من أصحاب النواصي بناءاً على أن التقدير نواصيهم أو النواصي منهم ، وما في البين اعتراض على الأول والأخير وكان أصل * ( التي يكذب بها المجرمون ) * التي كذبتم بها فعدل عنه لما ذكر للدلالة على استمرار ذلك وبيان لوجه توبيخهم وعلته . * ( يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ ءَانٍ ) * . * ( يَطُوفُونَ بَيْنَهَا ) * أي يترددون بين نارها * ( وَبَيْنَ حَميم ) * ماء حار * ( ءان ) * متناه إناه وطبخه بالغ في الحرارة أقصاها ، قال قتادة : الحميم يغلي منذ خلق الله تعالى جهنم والمجرم ويعاقب بين تصلية النار وشرب الحميم ، وقيل : يحرقون في النار ويصب على رؤوسهم الحميم ، وقيل : إذا استغاثوا من النار جعل غياثهم الحميم ، وقيل : يغمسون في واد في جهنم يجتمع فيه صديد أهل النار فتنخلع أوصالهم ثم يخرجون منه وقد أحدث الله تعالى لهم لخقاً جديداً ، وعن الحسن أنه قال : * ( حميم آن ) * النحاس انتهى حره ، وقيل : * ( آن ) * حاضر . وقرأ السلمي يطافون ، والأعمش . وطلحة . وابن مقسم * ( يطوفون ) * بضم الياء وفتح الطاء وكسر الواو مشددة ، وقرئ * ( يطوفون ) * أي يتطوفون . * ( فَبِأَىِّ ءَالاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ) * . * ( فَبأَيِّ ءَالآء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَان ) * هو أيضاً كما تقدم . * ( وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ) * . * ( وَلمَن خَافَ مَقَامَ رَبِّه ) * الخ شروع في تعديد الآلاء التي تفاض في الآخرة ، و * ( مقام ) * مصدر ميمي بمعنى القيام مضاف إلى الفاعل أي * ( ولمن خاف ) * قيام ربه وكونه مهيمناً عليه مراقباً له حافظاً لأحواله ، فالقيام هنا مثله في قوله تعالى : * ( أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت ) * ( الرعد : 33 ) وهذا مروى عن مجاهد . وقتادة ، أو هو اسم مكان ، والمراد به مكان وقوف الخلق في يوم القيامة للحساب ، والإضافة إليه تعالى لامية اختصاصية لأن الملك له عز وجل وحده فيه بحسب نفس الأمر ، والظاهر والخلق قائمون له كما قال سبحانه : * ( يقوم الناس لرب العالمين ) * ( المطففين : 6 ) منتظرون ما يحل عليهم من قبله جل شأنه ، وزعم بعضهم أن الإضافة على هذا الوجه لأدنى ملابسة وليس بشيء ، وقيل : المعنى * ( ولمن خاف ) * مقامه عند ربه على أن المقام مصدر أو اسم مكان وهو للخائف نفسه ، وإضافته