ابن النجار البغدادي
214
ذيل تاريخ بغداد
الأدب على أبي محمد بن الخشاب ، وصحب جده أبا البركات إسماعيل شيخ الشيوخ فانتفع بصحبته ، ولبس منه الخرقة ، وتخلق بأخلاقه وتأدب بآدابه ، وأخذ علم الحديث ومعرفته من ابن ناصر ، وكان كثيرا يحكي عنه من الفوائد الحسنة والنكت الغريبة والمعاني الدقيقة ، ومد الله له في العمر حتى حدث بجميع مروياته مرارا ، وقصده طلاب العلم من سائر الأقطار ، وكانت أوقاته محفوظة ، وكلماته معدودة ، فلا تمضي له ساعة الا في قراءة القرآن والذكر والتهجد وقراءة الناس ، وكان يمنع الناس من التحديث منه أن يقام له ، ( و ) ( 2 ) إذا حضر غيره أيضا فلا يقام ( 3 ) له ، وكان كثير الحج والعمرة والمجاورة بمكة ، وكان دائما على سجادته على طهارة مستقبل القبلة ، يقرأ القرآن ليلا ونهارا ، والمصحف في يده ينظر فيه ، وإذا غلبه النوم نام على سجادته ، وما استيقظ الا جدد وضوءا ، ولا يخرج من منزله الا لحضور صلاة ( 4 ) الجمعة أو العيد أو جنازة أو زيارة صالح حي أو ميت أو حضور مجلس ذكر ، ولم يكن يحضر دور أبناء الدنيا ولا أرباب المناصب في هناء ولا عزاء ، وكان مديما للصيام في أكثر أوقاته مع علو سنه ، وكان يستعمل السنة في جميع أحواله : في مدخله ومخرجه وملبسه ومأكله ومشربه ، ويحب الصالحين ، ويقتفي بسيرة السلف عقدا وفعلا ، ويعظم العلماء ، ويستفيد من الكبير والصغير ويتواضع لجميع الناس وفي سائر أحواله ، وكان دائما يقول : نسأل الله ( أن ) ( 5 ) يميتنا مسلمين ! وإذا دعا له أحد بطول البقاء قال : أسأل الله الوفاة على الاسلام ، ويبكي . وكان ظاهر الخشوع عند الذكر ، غزير الدمعة عند قراءة القرآن والحديث وأخبار الصالحين . وكان إذا أكثر من البكاء يعتذر إلى الحاضرين ويقول : قد كبر سني ورق عظمي فلا أملك دمعتي - نفيا لاظهار الخشوع وخوفا من الرياء وسترا لحاله ، وكان الله
--> ( 1 ) في ( ج ) : ( قرأ ) . ( 2 ) ما بين المعقوفتين سقط من الأصول . ( 3 ) من هنا حتى ننبه عليه ساقط من ( ج ) . ( 4 ) في الأصل ، ( ب ) : ( الصلاة ) . ( 5 ) ما بين المعقوفتين ليست في الأصول .