الخطيب البغدادي
152
تاريخ بغداد
وكان أكثر أهل الحجاز أدبا ، وأعذبهم ألفاظا ، وكان قد حظي عند الهادي وكان يدعو له [ إذا جلس ] بتكاء وما طمع في هذا أحد منه غيره ، وكان يقول له : ما استطلت بك يوما ولا ليلة قط ، ولا غبت عن عيني إلا تمنيت ان لا أرى غيرك . وأمر له ذات ليلة بثلاثين ألف دينار ، فلما أصبح ابن دأب وجه قهرمانه يطالب بالمال ، فلقي الحاجب فأبلغه رسالته ، فأعلمه ان ذلك ليس إليه ، وانه يحتاج إلى توقيع ، فأمسك ابن دأب . فبينا موسى - يعني الهادي - في مستشرف له إذ نظر إلى ابن دأب قد أقبل وليس معه غلام ، فقال لإبراهيم الحراني : أما ترى ابن دأب ، ما غير من حاله ؟ ولا تزيا لنا ، وقد بررناه بالأمس ليرى أثرنا عليه ، فقال له إبراهيم : إن أمرني أمير المؤمنين عرضت له بشئ من هذا ، قال : لا ، هو أعلم بأمره ودخل ابن دأب فأخذ في حديثه إلى أن عرض له الهادي بشئ من أمره . فقال : أرى ثوبك غسيلا ، وهذا شتاء يحتاج إلى لبس الجديد واللين . فقال : يا أمير المؤمنين باعي قصير عما أحتاج إليه . فقال : كيف ذاك ، وقد صرفنا إليك من برنا ما فيه صلاح شأنك ؟ قال : ما وصل إلى ، فدعا بصاحب بيت مال الخاصة . فقال : عجل الساعة له بثلاثين ألف دينار ، فحملت بين يديه . أخبرنا علي بن الحسين - صاحب العباسي - أخبرنا إسماعيل بن سعيد المعدل ، أخبرنا أبو علي الحسين بن القاسم الكوكبي ، حدثنا ابن أبي سعد ، حدثني إبراهيم بن المنذر قال : حدثني أيوب بن عباية عن ابن دأب أنه كان لا يأكل مع هارون - أو موسى أمير المؤمنين - قال : فقيل لابن دأب : يا أبا الوليد ما لك لا تتغدى مع أمير المؤمنين إذا أتى بالطعام ؟ فقال : ما كنت لأتغدى عند رجل لا أغسل يدي عنده ، قال : فكان موسى قد أمر به من بينهم ان يغسل يده إذا تغدى ، قال فقيل لابن دأب يا أبا الوليد ربما حملت الكتاب وأنت رجل تجد في نفسك ؟ قال : إن حمل الدفاتر من المروءة . أخبرني الأزهري ، أخبرنا محمد بن عمران الكاتب - إجازة - حدثني أحمد بن محمد الجوهري ، حدثنا العنزي ، حدثنا عمر بن عبيدة ، حدثني خالي ابن أبي شميلة قال : كان خلف الأحمر ينسب ابن دأب إلى الكذب ، قال : فغدوت أنا وخلف يوما على ابن دأب ، فأخذ في حديث الخاصة حتى انقضى ، فلما انصرفنا قلت لخلف : يا أبا محرز أتراه كذب ؟ قال : لا أدري والله ، ما أعرف مما حدث به قليلا ولا كثيرا .