الخطيب البغدادي

411

تاريخ بغداد

عبد الجبار ، فجهزني وحملني ، فلما دخلت الرقة أوصلت إلى الفضل بن الربيع ، فقال لي : لا تلقين أحدا ولا تكلمه حتى أوصلك إلى أمير المؤمنين ، وأنزلني منزلا أقمت فيه يومين - أو ثلاثة - ثم استحضرني فقال : جئني وقت المغرب حتى أدخلك على أمير المؤمنين ، فجئته فأدخلني على الرشيد وهو جالس منفردا فسلمت ، فاستدناني وأمرني بالجلوس فجلست . وقال لي : يا عبد الملك وجهت إليك بسبب جاريتين أهديتا إلي ، وقد أخذتا طرفا من الأدب ، أحببت أن تبور ما عندهما وتشير علي فيهما بما هو الصواب عندك ، ثم قال : ليمض إلى عاتكة فيقال لها أحضري الجاريتين ، فحضرت جاريتان ما رأيت مثلهما قط ، فقلت لأجلهما : ما اسمك ؟ قالت فلانة ، قلت : ما عندك من العلم ؟ قالت : ما أمر الله به في كتابه ، ثم ما ينظر الناس فيه من الأشعار ، والآداب ، والأخبار ، فسألتها عن حروف من القرآن فأجابتني كأنها تقرأ الجواب من كتاب ، وسألتها عن النحو والعروض والأخبار فما قصرت ، فقلت : بارك الله فيك ، فما قصرت في جوابي في كل فن أخذت فيه ، فإن كنت تقرضين الشعر فأنشدينا شيئا ، فاندفعت في هذا الشعر : باغياث البلاد في كل محل * ما يريد العباد إلا رضاك لا - ومن شرف الإمام وأعلى - * ما أطاع الإله عبد عصاك ومرت في الشعر إلى آخره . فقلت : يا أمير المؤمنين ما رأيت امرأة في مسك رجل مثلها ، وقالت الأخرى فوجدتها دونها ، فقلت ما تبلغ هذه من منزلتها إلا أنها إن ووظب عليها لحقت ، فقال : يا عباسي ، فقال الفضل : لبيك يا أمير المؤمنين ، فقال : ليردا إلى عاتكة ، ويقال لها تصنع هذه التي وصفتها بالكمال لتحمل إلي الليلة . ثم قال لي : يا عبد الملك أنا ضجر . وقد جلست أحب أن أسمع حديثا أتفرج به ، فحدثني بشئ فقلت : لأي الحديث يقصد أمير المؤمنين ؟ قال : لما شاهدت وسمعت من أعاجيب الناس وطرائف أخبارهم . فقلت : يا أمير المؤمنين صاحب لنا في بدو بني فلان كنت أغشاه وأتحدث إليه ، وقد أتت عليه ست وتسعون سنة أصح الناس ذهنا ، وأجودهم أكلا ، وأقواهم بدنا ، فغبرت عنه زمانا ثم قصدته فوجدته ناحل البدن ، كاسف البال ، متغير الحال ، فقلت له : ما شأنك ؟ أأصابتك مصيبة ؟ قال : لا ، قلت : أفمرض عراك ؟ قال : لا ، قلت : فما سبب هذا التغيير الذي أراه بك ؟ فقال : قصدت بعض القرابة في حي بني فلان فألفيت عندهم جارية قد لاثت رأسها ، وطلت بالورس ما بين قرنها إلى