الآلوسي

92

تفسير الآلوسي

وهو قلة الوجود وصعوبة المنال ، والمعنى ينصرك الله نصراً يقل وجود مثله ويصعب مناله ، وقد قال الراغب بهذا في قوله تعالى : * ( وإنه لكتاب عزيز ) * ورأيت ذلك للصدر بعد أن كتبته من الصدر فتأمل ولا تكن ذا عجز . * ( هُوَ الَّذِىأَنزَلَ السَّكِينَةَ فِى قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُواْ إِيمَاناً مَّعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاواتِ والاَْرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً ) * . * ( هُوَ الَّذي أَنْزَل السَّكينَةَ في قُلُوب المُؤْمنينَ ) * بيان لما أفاض سبحانه عليهم من مبادي الفتح ، والمراد بالسكينة الطمأنينة والثبات من السكون أي أنزلها في قلوبهم بسبب الصلح والأمن إظهاراً لفضله تعالى عليهم بتيسير الأمن بعد الخوف ، والمراد بإنزالها خلقها وإيجادها ، وفي التعبير عن ذلك بالإنزال إيماء إلى علو شأنها . وقال الراغب : إنزال الله تعالى نعمته على عبدإعطاؤه تعالى إياها وذلك إما بإنزال الشيء نفسه كإنزال القرآن أو بإنزال أسبابه والهداية إليه كإنزال الحديد ونحوه ، وقيل : * ( أنزل ) * من نزل في مكان كذا حط رحله فيه وأنزله غيره ، فالمعنى حط السكينة في قلوبهم فكان قلوبهم منزلاً لها ومأوى ، وقيل : السكينة ملك يسكن قلب المؤمن ويؤمنه كما روي أن علياً رضي الله تعالى عنه وكرم وجهه قال : إن السكينة لتنطق على لسان عمر ، وأمر الإنزال عليه ظهار جداً . وأخرج ابن جرير . والبيهقي في الدلائل . وغيرهما عن ابن عباس أنه قال : السكينة هي الرحمة ، وقيل : هي العقل ويقال له سكينة إذا سكن عن الميل إلى الشهوات وعن الرعب ، وقيل : هي الوقار والعظمة لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم ، وقيل : هي من سكن إذا كذا مال إليه أي أنزل في قلوبهم السكون والميل إلى ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من الشرائع ، وأرجح التفاسير هنا على ما قال الخفاجي : الأول ، وما ذكره بعضهم من أن السكينة شيء له رأس كرأس الهرة فما أراه قولاً يصح * ( ليَزْدَادُوا إيمَاناً مَعَ إيمَانهمْ ) * أي يقيناً مع يقينهم برسوخ العقيدة واطمئنان النفوس عليها على أن الإيمان لما ثبت في الأزمنة نزل تجدد أزمانه منزلة نجدده وازدياده فاستعير له ذلك ورشح بكملة مع ، وقيل : ازدياد الإيمان بازدياد ما يؤمن به ، وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن أول ما أتاهم به النبي صلى الله عليه وسلم التوحيد ثم الصلاة والزكاة ثم الحج والجهاد فازدادوا إيماناً مع إيمانهم ، ومن قال : الأعمال من الإيمان قال بأنه نفسه أي الإيمان المركب من ذلك وغيره يزيد وينقص ولم يحتج في الآية إلى تأويل بل جعلها دليلاً له ، وتفصيل الكلام في هذا المقام أنه ذهب جمهور الأشاعرة والقلانسي والفقهاء والمحدثون والمعتزلة إلى أن الإيمان يزيد وينقص ونقل ذلك عن الشافعي ومالك ، وقال البخاري : لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار فما رأيت أحداً منهم يختلف في أن الإيمان قول وعمل ويزيد وينقص ، واحتجوا على ذلك بالعقل والنقل ، أما الأول فلأنه لو لم تتفاوت حقيقة الإيمان لكان إيمان آحاد الأمة المنهمكين في الفسق والمعاصي مساوياً لإيمان الأنبياء عليهم السلام مثلا واللازم باطل فكذا الملزوم ، وأما الثاني فلكثرة النصوص في هذا المعنى ، مناه الآية المذكورة ، ومنها ما روي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قلنا : يا رسول الله ان الإيمان يزيد وينقص قال : نعم يزيد حتى يدخل صاحبه الجنة وينقص حتى يدخل صاحبه النار ، ومنها ما روي عن عمر . وجابر رضي الله تعالى عنهما مرفوعاً " لو وزن إيمان أبي بكر يإيمان هذه الأمة لرجح به " واعترض بأن عدم قبول الإيمان الزيادة والنقص على تقدير كون الطاعات داخلة في مسماه أولى وأحق من عدم قبوله ذلك إذا كان مسماه التصديق وحده . أما أولاً فلأنه لا مرتبة فوق كل الأعمال لتكون زيادة ولا إيمان دونه ليكون نقصاً ، أوما ثانياً فلأن أحداً لا يستكمل