الآلوسي
81
تفسير الآلوسي
والجملة قيل معطوفة على قوله تعالى : * ( معكم ) * وهي وإن لم تقع حالاً استقلالاً لتصديرها بحرف الاستقبال المنافي للحال على ما صرح به العلامة التفتازاني وغيره لكنه يغتفر في التابع ما لا يغتفر في غيره ، وقيل : المانع من وقوع المصدرة بحرف الاستقبال حالاً مخالفته للسماع وإلا فلا مانع من كونها حالاً مقدرة مع أنه يجوز أن تكون * ( لن ) * لمجرد تأكيد النفي ، والظاهر أن المانعين بنو المنع على المنافاة وإنها إذا زالت باعتباراً أحد الأمرين فلا منع لكن قيل : إن الحال المقصود منها بيان الهيئة غير الحال الذي هو أحد الأزمنة والمنافاة إنما هي بين هذا الحال والاستقبال . وهذا نظير ما قال مجوز ومجئ الجملة الماضية حالاً بدون قد ، وما لذلك وما عليه في كتب النحو ، وإذاجعلت الجملة قبل مستأنفة لم يكن إشكال في العطف أصلاً . * ( إِنَّمَا الْحَيَواةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلاَ يَسْالْكُمْ أَمْوَالَكُمْ ) * . * ( إنَّمَا الْحَيَاوَةُ الدُّنْيَا لَعبٌ وَلَهْوٌ ) * لا ثبات لها ولا اعتداد بها * ( وَإنْ تُؤْمُنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتكُمْ أُجُورَكُمْ ) * أي ثواب إيمانكم وتقواكم من الباقيات الصالحات التي يتنافس فيها المتنافسون * ( وَلاَ يَسْأَلْكُمْ ) * عطف على الجزاء والإضافة للاستغراق ، والمعنى إن تؤمنوا لا يسألكم جميع أموالكم كما يأخذ من الكافر جميع ماله ، وفيه مقابلة حسنة لقوله تعالى : * ( يؤتكم أجوركم ) * كأنه قيل : يعطكم كل الأجور ويسألكم بعض المال وهو ما شرعه سبحانه من الزكاة ، وقول سفيان بن عيينة أي لا يسألكم كثيراً من أموالكم إنما يسألكم ربع العشر فطيبوا أنفسكم بيان لحاصل المعنى ، وقيل : أي لا يسألكم ما هو مالكم حقيقة وإنما يسألكم ماله عز وجل وهو المالك لها حقيقة وهو جل شأنه المنعم عليكم بالانتفاع بها ، وقيل : أي لا يسألكم أموالكم لحاجته سبحانه إليها بل ليرجع إنفاقكم إليكم ، وقيل : أي لا يسألك الرسول صلى الله عليه وسلم شيئاً من أموالكم أجراً على تبليغ الرسالة كما قال تعالى : * ( قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين ) * ( ص : 86 ) ووجه العليق عليها غير ظاهر وفي بعضها أيضاً ما لا يخفى . * ( ؤإِن يَسْالْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُواْ وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ ) * . * ( إنْ يَسْأَلْكُمُوهَا ) * أي أموالكم * ( فَيُحْفكُمْ ) * فيجهدكم بطلب الكل فإن الإحفاء والإلحاف المبالغة وبلوغ الغاية في كل شيء يقال : أحفاه في المسئلة إذا لم يترك شيئاً من الإلحاح وأحفى شاربه استأصله وأخذه أخذاً متناهياً ، وأصل ذلك على ما قال الراغب : من أحفيت الدابة جعلته حافياً أي منسحج الحافر والبعير جعلته منسحج الفرسن من المشي حتحتى يرق * ( تَبْخَلُوا ) * جواب الشرط ، والمراد بالبخل هنا ترك الإعطاء إذ هو على المعنى المشهور أمر طبيعي لا يترتب على السؤال * ( وَيَخْرُوجُ أَضْغَانَكُمْ ) * أي أحقادكم لمزيد حبكم للمال وضمير * ( يخرج ) * لله تعالى ويعضده قراءة يعقوب . ورويت أيضاً عن ابن عباس * ( ونخرج ) * بالنون مضمومة ، وجوز أن يكون للسؤال أو للبخل فإنه سبب إخراج الأضغان والإسناد على ذلك مجازي ، وقرأ عبد الوارث عن أبي عمرو * ( ويخرج ) * بالرفع على الاستئناف ، وجوز جعل الجملة حالاً بتقدير وهو يخرج وحكاها أبو حاتم عن عيسى ، وفي " اللوامح " عن عبد الوارث عن أبي عمرو * ( ويخرج ) * بالياء التحتية وفتحها وضم الراء والجيم * ( أضغانكم ) * بالرفع على الفاعلية . وقرأ ابن عباس . ومجاهد . وابن سيرين . وابن محيصن . وأيوب بن المتوكل . واليماني * ( وتخرج ) * بتاء التأنيث ورفع * ( أضغانكم ) * ، وقرئ * ( ويخرج ) * بضم الياء التحتية وفتح الراء * ( أضغانكم ) * رفعاً على النيابة عن الفاعل وهي