الآلوسي

8

تفسير الآلوسي

أنهم يقولون : * ( والله ربنا ما كنا مشركين ) * ( الأنعام : 23 ) وتعقب بأن السياق لبيان حال الآلهة معهم لا عكسه ، ولأن كفرهم حينئذٍ إنكار لعبادتهم وتسميته كفراً خلاف الظاهر . * ( وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ هَاذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ ) * . * ( وَإذَا تُتْلَى عَلَيْهمْ آيَاتُنَا بَيِّنَات ) * أي واضحات أو مبينات ما يلزم بيانه * ( قَالَ الَّذينَ كَفَرُوا للْحَقِّ ) * أي الآيات المتلوة ، ووضع موضع ضميرها تنصيصاً على حقيتها ووجوب الإيمان بها كما وضع الموصول موضع ضمير المتلو عليهم تسجيلاً عليهم بكمال الكفر والضلالة . وجوز كون المراد - بالحق - النبوة أو الإسلام فليس فيه موضوعاً موضع الضمير ، والأول : أظهر ، واللام متعلقة - بقال - على أنها لام العلة أي قالوا لأجل الحق وفي شأنه وما يقال في شأن شيء مسوق لأجله ، وجوز تعلقه - بكفروا - على أنه بمعنى الباء أو حمل الكفر على نقيضه وهو الإيمان فإنه يتعدى باللام نحو * ( أنؤمن لك ) * وهو خلاف الظاهر كما لا يخفى * ( لَمَّا جَاءَهُمْ ) * أي في وقت مجيئه إياهم ، ويفهم منه في العرف المبادرة وتستلزم عدم التأمل والتدبر فكأنه قيل : بادروا أول سماع الحق من غير تأمل إلى أن قالوا : * ( هَاذَا سحرْرٌ مُّبينٌ ) * أي ظاهر كونه سحراً ، وحكمهم بذلك على الآيات لعجزهم عن الإتيان بمثلها ، وعلى النبوة لما معها من الخارق للعادة ، وعلى الإسلام لتفريقه بين المرء وزوجه وولده . * ( أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلاَ تَمْلِكُونَ لِى مِنَ اللَّهِ شَيْئاً هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَى بِهِ شَهِيداً بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) * . * ( أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ) * إضراب وانتقال من حكاية شناعتهم السابقة إلى حكاية ما هو أشنع منها وهو الكذب عمداً على الله تعالى فإن الكذب خصوصاً عليه عز وجل متفق على قبحه حتى ترى كل أحد يشمئز من نسبته إليه بخلاف السحر فإنه وإن قبح فليس بهذه المرتبة حتى تكاد تعد معرفته من الأمور المرغوبة ، وما في * ( أم ) * المنقطعة من الهمزة معنى للإنكار التوبيخي المتضمن للتعجب من نسبته إلى الافتراء مع قولهم : هو سحر لعجزهم عنه ، والضمير المنصوب في * ( افتراه ) * كما قال أبو حيان * ( للحق ) * الذي هو الآيات المتلوة ، وقال بعضهم : للقرآن الدال عليه ما تقدم أي بل أيقولون افتراه . * ( قُلْ إن افْتَرَيْتُهُ ) * على الفرض * ( فَلاَ تَملْكُونَ لي منَ الله شَيْئاً ) * أي عاجلني الله تعالى بعقوبة الافتراء عليه سبحانه فلا تقدرون على كفه عز وجل عن معالجتي ولا تطيقون دفع شيء من عقابه سبحانه عني فكيف أفتريه وأتعرض لعقابه ، فجواب * ( إن ) * في الحقيقة محذوف وهو عاجلني وما ذكر مسبب عنه أقيم مقامه أو تجوز به عنه * ( هُوَ أَعْلَمُ بمَا تُفيضُونَ فيه ) * بالذي تأخذون فيه من القدح في وحي الله تعالى والطعن في آياته وتسميته سحراً تارة وافتراءً أخرى ، واستعمال الإفاضة في الأخذ في الشيء والشروع فيه قولاً كان أو فعلاً مجاز مشهور ، وأصلها إسالة الماء يقال : أفاض الماء إذا أساله ، وما أشرنا إليه من كون * ( ما ) * موصولة وضمير فيه عائد عليه هو الظاهر وجوز كون * ( ما ) * مصدرية وضمير * ( فيه ) * للحق أو للقرآن * ( كَفَى به شَهيداً بَيْني وَبَيْنَكُمْ ) * حيث يشهد لي سبحانه بالصدق والبلاغ وعليكم بالكذب والجحود ، وهو وعيد بجزاء إفاضتهم في الطعن في الآيات ، واستؤنف لأنه في جواب سؤال مقدر ، و * ( به ) * في موضع الفاعل - بكفى - على أصح الأقوال ، و * ( شهيداً ) * حال و * ( بيني وبينكم ) * متعلق به أو بكفى * ( وَهُوَ الغَفُورُ الرَّحيمُ ) * وعد بالغفران والرحمة لمن تاب وآمن وإشعار بحلم الله تعالى عليهم إذ لم يعاجلهم سبحانه بالعقوبة وأمهلهم ليتداركوا أمورهم * ( قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنَ الرُّسُلِ وَمَآ أَدْرِى مَا يُفْعَلُ بِى وَلاَ بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَىَّ وَمَآ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ) * * ( قُلْ مَا كُنْتُ بدْعاً منَ الرُّسُل ) * أي بديعاً منهم يعني لست مبتدعاً لأمر يخالف أمورهم بل جئت بما جاؤوا به من الدعوة إلى التوحيد أو فعلت نحو ما فعلوا من إظهار ما آتاني الله تعالى من المعجزات دون الإتيان بالمقترحات كلها ، فقد قيل : إنهم كانوا