الآلوسي
67
تفسير الآلوسي
* ( القتال ) * بالنصب على أنه مفعول به * ( رَأَيْتَ الَّذينَ في قُلُوبهمْ مَّرَضٌ ) * أي نفاق ، وقيل : ضعف في الدين * ( يَنْظُرُونَ إلَيْكَ نَظَر الْمَغْشِّي عَلَيْهِ مِنَ المَوْت ) * أي نظر المحتضر الذي لا يطرف بصره ، والمراد تشخص أبصارهم جبناً وهلعاً ، وقيل : يفعلون ذلك من شدة العداوة له عليه الصلاة والسلام ، وقيل : من خشية الفضيحة فإنهم إن تخلفوا عن القتال افتضحوا وبأن نفاقهم ، وقال الزمخشري : كانوا يدعون الحرص على الجهاد ويتمنونه بألسنتهم ويقولون : لولا أنزلت سورة في معنى الجهاد فإذا أنزلت وأمروا فيها بما تمنوا وحرصوا عليه كاعوا وشق عليهم وسقط في أيديهم كقوله تعالى : * ( فلما كتب عليهم القتال إذا فرق منهم يخشون الناس ) * والظاهر ما ذكرناه أولاً من أن القائلين هم الذين أخلصوا في ايمانهم وإنما عرا المنافقين ما عرا عند نزول أمر المؤمنين بالجهاد لدخولهم فيهم بحسب ظاهر حالهم ، وقد جوز هو أيضاً إرادة الخلص من الذين آمنوا لكن كلامه ظاهر في ترجح ما ذكره أولاً عنده والظاهر أن في الكلام عليه إقامة الظاهر مقام المضمر ، وجوز أن يكون المطلوب في قوله تعالى : * ( لولا أنزلت سورة ) * إنزال سورة مطلقاً حيث كانوا يستأنسون بالوحي ويستوحشون إذا أبطأ ، وروى نحوه عن ابن جريج . أخرج ابن المنذر عنه أنه قال في الآية : كان المؤمنون يشتاقون إلى كتاب الله تعالى وإلى بيان ما ينزل عليهم فيه فإذا نزلت السورة يذكر فيها القتال رأيت يا محمد المنافقين ينظرون إليك الخ . * ( فَأَوْلَى لَهُمْ ) * تهديد ووعيد على ما روى عن غير واحد ، وعن أبي علي أن * ( أولى ) * فيه علم لعين الويل مبني على زنة أفعل من لفظ الويل على القلب وأصله أويل وهو غير منصرف للعلمية والوزن ، فالكلام مبتدأ وخبر . واعترض بأن الويل غير متصرف فيه ، ومثل يوم أيوم مع أنه غير منقاس لا يفرد عن الموصوف البتة ، وإن القلب خلاف الأصل لا يرتكب إلا بدليل ، وإن علم الجنس شيء خارج عن القياس مشكل التعقل خاصة فيما نحن فيه ، ثم قيل : إن الاشتقاق الواضح من الولي بمعنى القرب كما في قوله : تكلفني ليلى وقد شط وليها * وعادت عواد بيننا وخطوب يرشد إلى أنه للتفضيل في الأصل غلب في قرب الهلاك ودعاء السوء كأنه قيل : هلاكاً أولى لهم بمعنى أهلكهم الله تعالى هلاكاً أقرب لهم من كل شر وهلاك ، وهذا كما غلب بعداً وسحقاً في الهلاك ، وهو على هذا منصوب على أنه صفة في الأصل لمصدر محذوف وقد أقيم مقامه والجار متعلق به . وفي " الصحاح " عن الأصمعي أولى له قاربه ما يهلكه أي نزل به وأنشد . فعادى بين هاديتين منها * وأولى أن يزيد على الثلاث أي قارب أن يزيد ، قال ثعلب : ولم يقل أحد في * ( أولى ) * أحسن مما قاله الأصمعي ، وعلى هذا هو فعل مستتر فيه ضمير الهلاك بقرينة السياق ، وقريب منه ما قيل : إنه فعل ماض وفاعله ضميره عز وجل واللام مزيدة أي أولاهم الله تعالى ما يكرهون أو غير مزيدة أي أدنى الله عز وجل الهلاك لهم ، والظاهر زيادة اللام على ما سمعت عن الأصمعي ، ومن فسره بقرب جوز الأمرين ، وقيل : هو اسم فعل والمعنى وليهم شر بعد شر ، وقيل : هو فعلى من آل بمعنى رجع لا أفعل من الولي فهو في الأصل دعاء عليهم بأن يرجع أمرهم إلى الهلاك ، والمراد أهلكهم الله تعالى إلا أن التركيب مبتدأ وخبر ، وقال الرضي : هو علم للوعيد من وليه الشر أي قربه ، والتركيب مبتدأ وخبر أيضاً . واستدل بما حكى أبو زيد من قولهم : أولاة بتاء التأنيث على أنه ليس بأفعل تفضيل ولا أفعل