الآلوسي
50
تفسير الآلوسي
خالد في النار ) * مورد السؤال ليعترض بوقوع الاستئناف قبل مضيه . وأورد أنه لا حاجة إلى تقدير المبتدأ لأن * ( فيها أنهار ) * جملة برأسها ، والجواب أن التقدير مثلها فيها أنهار فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه فصار مرفوعاً ثم حذف ولهذا قال : في السؤال كأن قائلاً قال : وما مثلها ؟ ويجري ما قرر في قراءة الأمير كرم الله تعالى وجهه ومن معه * ( أمثال ) * بالجمع فيقال : التقدير أمثال الجنة كأمثال جزاء من هو خالد في النار ، ويقدر المضاف الأول جمعاً للمطابقة ، ولعمري لقد أبعد جار الله المغزى ، وقد استحسن ما ذكره كثير من المحققين قال صاحب الكشف بعد تقرير جعل * ( كمن هو خالد ) * خبر - لمثل الجنة - : هذا هو الوجه اللائح المناسب للمساق . وقال ابن المنير : في الانتصاف بعد نقله كم ذكر الناس في تأويل هذه الآية فلم أر أطلى ولا أحلى من هذه النكت التي ذكرها لا يعوزها إلا التنبيه على أن في الكلام محذوفاً ليتعادل ، والتقدير مثل ساكن الجنة كمن هو خالد في النار ، ومن هذا النمط قوله تعالى : * ( أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله ) * الخ ؛ وما قدرناه لتحصيل التعادل أولى وإن كان فيه كثرة حذف فتأمل ذاك والله تعالى يتولى هداك ، والضمير المفرد - أعني * ( هو ) * - راجع إلى * ( من ) * باعتبار لفظها كما أن ضمير الجمع في قوله سبحانه : * ( وَسُقُوا مَاءً حَميماً ) * راجع إليها باعتبار معناها ، والمراد وسقوا ماءً حاراً مكان تلك الأشربة وفيه تهكم بهم * ( فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ ) * من فرط الحرارة . روي أنه إذا أدنى منهم شوي وجوههم وامتازت فروة رؤوسهم فإذا شربوه قطع أمعاءهم ، وهي جمع معي بالفتح والكسر ما ينتقل الطعام إليه بعد المعدة ويقال له عفاج وهو مذكر وقد يؤنث . * ( وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ ءَانِفاً أُوْلَائِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ واتَّبَعُواْ أَهْوَآءَهُمْ ) * . * ( وَمنْهُمْ مَنْ يَّسْتَمعُ إلَيْكَ ) * هم المنافقون ، وإفراد الضمير باعتبار اللفظ كما أن جمعه بعد باعتبار المعنى ، قال ابن جريج : كانوا يحضرون مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسمعون كلامه ولا يعونه ولا يراعونه حق رعايته تهاوناً منهم * ( حَتَّى إذَا خَرَجُوا منْ عنْدكَ قَالُوا للَّذينَ أُوتُوا الْعلْمَ ) * أي لأولي العلم من الصحابة رضي الله تعالى عنهم ، وقيل : هم الواعون لكلامه عليه الصلاة والسلام الراعون له حق رعايته من الصحابة رضي الله تعالى عنهم * ( مَاذَا قَالَ آنفاً ) * أي ما الذي قال قبيل هذا الوقت ومقصودهم من ذلك الاستهزاء وإن كان بصورة الاستعلام ، وجوز أن يكون مرادهم حقيقة الاستعلام إذ لم يلقوا له آذانهم تهاوناً به ولذلك ذموا والأول أولى ، قيل : قالوا ذلك لابن مسعود ، وعن ابن عباس أنا منهم وقد سميت فيمن سئل وأراد رضي الله تعالى عنه أنه من الذين أوتوا العلم بنص القرآن ، وما أحسن ما عبر عن ذلك ، و * ( آنفاً ) * اسم فاعل على غير القياس أو بتجريد فعله من الزوائد لأنه لم يسمع له فعل ثلاثي بل استأنف وأتنف ، وذكر الزجاج أنه من استأنفت الشيء إذا ابتدأته وكان أصل معنى هذا أخذت أنفه أي مبدأه ، وأصل الأنف الجارحة المعروفة ثم يسمى به طرف الشيء ومقدمه وأشرفه ، وذكر غير واحد أن آنفاً من ذلك قالوا : إنه اسم للساعة التي قبل ساعتك التي أنت فيها من الأنف بمعنى المتقدم وقد استعير من الجارحة لتقدمها على الوقت الحاضر ، وقيل : هو بمعنى زمان الحال ، وهو على ما ذهب إليه الزمخشري نصب على الظرفية ولا ينافي كونه اسم فاعل كما في بادىء فإنه اسم فاعل غلب على معنى الظرفية في الاستعمال ، وقال أبو حيان : الصحيح أنه ليس بظرف ولا نعلم أحداً من النحاة عده في الظروف وأوجب نصبه على الحال من فاعل * ( قال ) * أي ماذا قال مبتدئاً أي ما القول الذي ائتنفه الآن قبل انفصالنا عنه ، وإلى ذلك يشير كلام الراغب . وقرأ ابن كثير * ( أنفاً ) * على وزن فعل * ( أُولائكَ ) * الموصفون بما ذكر * ( الَّذينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبهمْ ) *