الآلوسي
39
تفسير الآلوسي
وصلاح أحوال المؤمنين وفلاحهم مما يوجب أن يترتب على كل من الجانبين ما يليق به من الأحكام أي إذا كان الأمر كذلك فإذا لقيتموهم في المحارب * ( فَضَرْبَ الرِّقَاب ) * وقال الزمخشري : * ( لقيتم ) * من اللقاء وهو الحرب و * ( ضرب ) * نصب على المصدرية لفعل محذوف والأصل أضربوا الرقاب ضرباً فحذف الفعل وقدم المصدر وأنيب منابه مضافاً إلى المفعول ، وحذف الفعل الناصب في مثل ذلك مما أضيف إلى معموله واجب ، وهو أحد مواضع يجب فيها الحذف ذكرت في مطولات كتب النحو ، وليس منها نحو ضرباً زيداً على ما نص عليه ابن عصوفر . وذكر غير واحد أن فيما ذكر اختصاراً وتأكيداً ولا كلام في الاختصار ، وأما التأكيد فظاهر القول به أن المصدر بعد حذف عامله مؤكد ، وقال الحمصي في حواشي التصريح : إن المصدر في ذلك مؤكد في الأصل وأما الآن فلا لأنه صار بمنزلة الفعل الذي سد هو مسده فلا يكون مؤكداً بل كل مصدر ثار بدلاً من اللفظ بالفعل لا يكون مؤكداً ولا مبيناً لنوع ولا عدد ، و * ( ضرب الرقاب ) * مجاز مرسل عن القتل ، وعبر به عنه إشعاراً بأنه ينبغي أن يكون بضرب الرقبة حيث أمكن وتصويراً له بأشنع صورة لأن ضرب الرقبة فيه إطارة الرأس الذي هو أشرف أعضاء البدن ومجمع حواسه وبقاء البدن ملقى على هيئة منكرة والعياذ بالله تعالى ، وذكر أن في التعبير المذكور تشجيع المؤمنين وأنهم منهم بحيث يتمكنون من القتل بضرب أعناقهم في الحرب * ( حَتَّى إذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ ) * أي أوقعتم القتل بهم بشدة وكثرة على أن ذلك مستعار من ثخن المائعات لمنعه عن الحركة ، والمراد حتى إذ أكثرتم قتلهم وتمكنتم من أخذ من لم يقتل * ( فَشُدُّوا الْوَثَاقَ ) * أي فأسروهم واحفظوهم ، فالشد وكذا ما بعد في حق من أسر منهم بعد اثخانهم لا للمثخن إذ هو بالمعنى السابق لا يشد ولا يمن عليه ولا يفدي لأنه قد قتل أو المعنى حتى إذا أثقلتموهم بالجراح ونحوه بحيث لا يستطيعون النهوض فأسروهم واحفظوهم ؛ فالشد وكذا ما بعد في حق المثخن لأنه بهذا المعنى هو الذي لم يصل إلى حد القتل لكن ثقل عن الحركة فصار كالشئ الثخين الذي لم يسل ولم يستمر في ذهابه ، والاثخان عليه مجاز أيضاً ، و * ( الوثاق ) * في الأصل مصدر كالخلاص وأريد به هنا ما يوثق به . وقرئ * ( الوثاق ) * بالكسر وهو اسم لذلك ، ومجئ فعال اسم آلة كالحزام والركاب نادر على خلاف القياس ، وظاهر كلام البعض أن كلا من المفتوح والمكسور اسم لما يوثق به ، ولعل المراد بيان المراد هنا . * ( فَإمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإمَّا فدَاءً ) * أي فاما تمنون منا وإما تفدون فداء ، والكلام تفصيل لعاقبة مضمون ما قبله من شد الوثاق ، وحذف الفعل الناصب للمصدر في مثل ذلك واجب أيضاً ، ومنه قوله : لأجهدن فاما درء واقعة * ثخشى وإما بلوغ السؤال والأمل وجوز أبو البقاء كون كل من * ( منا ) * ودفداء ) * مفعولا به لمحذوف أي أولوهم منا أو أقبلوا منهم فداء ، وليس - كما قال أبو حيان - اعراب نحوي ، وقرأ ابن كثير في رواية شبل * ( واما فدى ) * بالفتح والقصر كعصا . وزعم أبو حاتم أنه لا يجوز قصره لأنه مصدر فاديته ، قال الشهاب : ولا عبرة به فإن فيه أربع لغات الفتح والكسر مع المد والقصر ولغة خامسة البناء مع الكسر كما حكاه الثقات انتهى ، وفي الكشف نقلاً عن الصحاح الفداء إذا كسر أوله يمد ويقصر وإذا فتح فهو مقصور . ومن العرب من يكسر الهمزة أي يبنيه على الكسر إذا جاور لام الجر خاصة لأنه اسم فعل بمعنى الدعاء ، وأنشد الأصمعي بين النابغة : مهلاً فداء لك وهذا الكسر مع التنوين