الآلوسي
28
تفسير الآلوسي
الجواب والتقدير إن مكناكم فيه طغيتم ، وقيل : إنها صلة بعدما الموصولة تشبيهاً بما النافية وما التوقيتية ، فهي في الآية مثلها في قوله : يرجى المرىء ما أن لا يراه * وتعرض دون أدناه الخطوب أي مكناهم في مثل الذي مكناكم فيه ، وكونها نافية هو الوجه لأن القرآن العظيم يدل عليه في مواضع وهو أبلغ في التوبيخ وأدخل في الحث على الاعتبار * ( وجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعَاً وَأَبْصَاراً وَأَفْئِدَة ) * ليستعملوها فيما خلقت له ويعرفوا بكل منها ما نيطت به معرفته من فنون النعم ويستدلوا بها على شؤون منعمها عز وجل ويداوموا على شكره جل شأنه * ( فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ ) * حيث لم يستعملوه في استماع الوحي ومواعظ الرسل * ( وَلاَ أَبْصَارُهُمْ ) * حيث لم يجتلوا بها الآيات التكوينية المرسومة في صحائف العالم * ( وَلاَ أَفْئِدتُهُمْ ) * حيث لم يستعملوها في معرفة الله تعالى * ( مِنْ شَيْء ) * أي شيئاً من الإغناء ، و * ( من ) * مزيدة للتوكيد والتنوين للتقليل . وجوز أن تكون تبعيضية أي ما أغنى بعض الإغناء وهو القليل ، و * ( ما ) * في * ( ما أغنى ) * نافية وجوز كونها استفهامية . وتعقبه أبو حيان بأنه يلزم عليه زيادة * ( من ) * في الواجب وهو لا يجوز على الصحيح . ورد بأنهم قالوا : تزاد في غير الموجب وفسروه بالنفي والنهي والاستفهام ، وإفراد السمع في النظم الجليل وجمع غيره لاتحاد المدرك به وهو الأصوات وتعدد مدركات غيره أو لأنه في الأصل مصدر ، وأيضاً مسموعهم من الرسل متحد . * ( إذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بآيَات الله ) * ظرف متعلق بالنفي الصريح أو الضمني في قوله تعالى : * ( ما أغنى ) * وهو ظرف أريد به التعليل كناية أو مجازاً لاستواء مئدى الظرف والتعليل في قولك : ضربته لإساءته وضربته إذ أساء لأنك إنما ضربته في ذلك الوقت لوجود الإساءة فيه ، وهذا مما غلب في إذ وحيث من بين سائر الظروف حتى كاد يلحق بمعانيهما الوضعية * ( وَحَاقَ بهمْ مَا كَانُوا به يَسْتَهْزءُونَ ) * من العذاب الذي كانوا يستعجلونه بطريق الاستهزاء ويقولون : * ( فأتنا بما تعدنا إن كنا من الصادقين ) * ( الأعراف : 70 ) . * ( وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِّنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الاَْيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) * . * ( وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا ) * مَا حَوْلَكُمْ يا أهل مكة * ( مِّنَ الْقُرَى ) * كحجر ثمود وقرى قوم صالح ، والكلام بتقدير مضاف أو تجوز بالقرى عن أهلها لقوله تعالى : * ( وَصَرَّفْنَا الآيَات ) * أي كررناها * ( لَعَلَّهُمْ يَرْجَعُونَ ) * وأمر * ( ما ) * سهل ، والترجي مصروف لغيره تعالى أو * ( لعل ) * للتعليل أي لكي يرجعوا عما هم فيه من الكفر والمعاصي إلى الايمان والطاعة . * ( فَلَوْلاَ نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبَاناً ءَالِهَةَ بَلْ ضَلُّواْ عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ) * . * ( فلَوْلاَ نَصَرَهُمْ ) * فهلا منعهم من الهلاك الذي وقعوا فيه * ( الَّذينَ اتَّخَذُوا ) * أي آلهتهم الذين اتخذوهم . * ( مِنْ دُون الله قُرْبَاناً آلهَةَ ) * والضمير الذي قدرناه عائداً هو المفعول الأول - لاتخذوا - و * ( آلهة ) * هو المفعول الثاني و * ( قرباناً ) * بمعنى متقرباً بها حال أي اتخذوهم آلهة من دون الله حال كونها متقرباً بها إلى الله عز وجل حيث كانوا يقولون : * ( ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ) * ( الزمر : 3 ) و * ( هؤلاء شفعاؤنا عند الله ) * ( يونس : 18 ) وفي الكلام تهكم بهم . وأجاز الحوفي كون * ( قرباناً ) * مفعولاً من أجله ، وأجاز هو أيضاً . وابن عطية . ومكي . وأبو البقاء كونه المفعول الثاني - لاتخذوا - وجعل * ( آلهة ) * بدلاً منه ، وقال في " الكشاف " : لا يصح ذلك لفساد المعنى ، ونقل عنه في بيانه أنه لا يصح أن يقال : تقربوا بها من دون الله لأن الله تعالى لا يتقرب به ، وأراد كما في " الكشف "