الآلوسي

189

تفسير الآلوسي

عن قدرتنا وإن يكون حالاً من الجنة قصد به التوكيد كما تقول : عزيز غير ذليل لأن العزة تنافي الذل ونفي مضاد الشيء تأكيد إثباته ، وفيه دفع توهم أن ثم تجوزا أو شوبا من الضد ولم يقل : غير بعيدة عليه قيل : لتأويل الجنة بالبستان ، وقيل : لأن البعيد على زنة المصدر الذي من شأنه أن يستوي فيه المؤنث والمذكر كالزئير والصليل فعومل معاملته وأجرى مجراه ، وقيل : لأن فعيلاً بمعنى فاعل قد يجري مجرى فعيل بمعنى مفعول فيستوي فيه الأمران ، وللإمام في تقريب الجنة أوجه . منها طي المسافة التي بينها وبين المتقين مع بقاء كل في مكانه وعدم انتقاله عنه ولكرامة المتقين قيل : * ( أزلفت الجنة للمتقين ) * دون وأزلف المتقون للجنة ، ومنها أن المراد تقريب حصولها والدخول فيها دون التقريب المكاني ، وفيه ما فيه ، ومنها أن التقريب على ظاهره والله عز وجل قادر على نقل الجنة من السماء إلى الأرض أي إلى جهة السفل أو الأرض المعروفة بعد مدها ، وقول بعض : إن المرا إظهارها قريبة منها على نحو إظهارها للنبي صلى الله عليه وسلم في عرض حائط مسجده الشريف على ما فيه منزع صوفي . * ( هَاذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ ) * . * ( هَذَا مَا تُوعَدُونَ ) * إشارة إلى الجنة ، والتذكير لما أن المشار إليه هو المسمى من غير قصد لفظ يدل عليه فضلاً عن تذكيره وتأنيثه فإنهما من أحكام اللفظ العربي كما في قوله تعالى : * ( فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي ) * ( الأنعام : 78 ) وقوله سحبانه : * ( ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله ) * ( الأحزاب : 22 ) ؛ ويجوز أن يكون ذلك لتذكير الخبر ، وقيل : هو إشارة إلى الثواب . وقيل : إلى مصدر * ( أزلفت ) * والجملة بتقدير قول وقع حالاً من المتقين أو من الجنة والعامل أزلفت أي مقولاً لهم أو مقولاً في حقها هذا ما توعدون ، أو اعتراض بين المبدل منه أعني * ( للمتقين ) * والبدل أعني الجار والمجرور وفيه بعد . وصيغة المضارع لاستحضار الصورة الماضية ، وقرأ ابن كثير . وأبو عمرو * ( يوعدون ) * بياء الغيبة ، والجملة على هذه القراءة قيل : اعتراض أوحال من الجنة ؛ وقال أبو حيان : هي اعتراض ، والمراد هذا القول هو الذي وقع الوعد به وهو كما ترى ، وقوله تعالى : * ( لكُلِّ أَوَّاب ) * أي رجاع إلى الله تعالى بدل من المتقين بإعادة الجار أومن * ( للمتقين ) * على أن يكون الجار والمجرور بدلاً من الجار والمجرور * ( حَفيظ ) * حفظ ذنوبه حتى رجع عنها كما روى عن ابن عباس . وسعيد بن سنان ، وقريب مه ما أخرج سعيد بن منصور . وابن أبي شيبة . وابن المنذر عن يونس بن خباب قال : قال لي مجاهد : ألا أنبئك بالأواب الحفيظ ؟ هو الرجل يذكر ذنبه إذا خلا فيستغفر الله تعالى . وأخرج عبد بن حميد . وابن جرير . وابن المنذر عن قتادة قال : أي حفيظ لما استودعه الله تعالى من حقه ونعمته . وأهرج ابن أبي شيبة . وابن المنذر عن عبيد بن عمير كنا نعد الأواب الحفيظ الذي يكون في المجلس فإذا أراد أن يقوم قال : اللهم اغفر لي ما أصبت في مجلسي هذا . وقيل : هو الحافظ لتوبته من النقض ولا ينافيه صيغة * ( أواب ) * كما لا يخفى . وقوله تعالى شأنه : * ( مَّنْ خَشِىَ الرَّحْمَانَ بالْغَيْبِ وَجَآءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ ) * . * ( مَنْ خَشيَ الرَّحْمَانَ بالْغَيْب وَجَاءَ بقَلْب مُّنيب ) * بدل من كل المبدل من المتقين أو بدل ثان من المتقين بناء على جواز تعدد البدل والمبدل منه واحد . وقول أبي حيان : تكرر البدل والمبدل منه واحد لا يجوز في غير بدل البداء ، وسره أنه في نية الطرح فلا يبدل منه مرة أخرى غير مسلم ، وقد جوزه ابن الحاجب في أماليه ، ونقله الدماميني في أول شرحه للخزرجية وأطال فيه ، وكون المبدل منه في نية الطرح ليس على ظاهره ، أو بدل من موصوف * ( أواب ) * أي لكل شخص أواب بناء على جواز