الآلوسي
138
تفسير الآلوسي
اعتبر ذلك لأنه لا يجوز إرادة المعنى الموضوع له هنا فلا يصح كونه كناية عند من يشترط فيها إرادة الحقيقة ، ومن اكتفى فيها بجواز الإرادة وإن امتنعت في محل الاستعمال لم يحتج إلى ذلك الاعتبار . واختار الشهاب كون الامتحان مجازاً عن الصبر بعلاقة اللزوم ، وحاصل المعنى عليه كحاصله على الكناية أي أنهم صبر على التقوى أقوياء على مشاقها أو المراد بالامتحان المعرفة كما حكي عن الجبائي مجازاً من باب إطلاق السبب وإرادة المسبب ، والمعنى عرف الله قلوبهم للتقوى ، وإسناد المعرفة إليه عز وجل بغير لفظها غير ممتنع وهو في القرآن الكريم شائع ، على أن الصحيح جواز الإسناد مطلقاً لما في " نهج البلاغة " من إطلاق العارف عليه تعالى ، وقد ورد في الحديث أيضاً على ما ادعاه بعض الأجلة ، واللام صلة لمحذوف وقع حالاً من * ( قلوبهم ) * أي كائنة للتقوى مختصة بها ، فهو نحو اللام في قوله : وقصيدة رائقة ضوعتها * أنت لها أحمد من بين البشر وقوله : أعداء من لليعملات على الوجى * وأضياف ليل بيتوا للنزول أو هي صلة - لامتحن - باعتبار معنى الاعتياد أو المراد ضرب الله تعالى قلوبهم بأنواع المحن والتكاليف الشاقة لأجل التقوى أي لتظهر ويعلم أنهم متقون إذ لا تعلم حقيقة التقوى إلا عند المحن والاصطبار عليها ، وعلى هذا فالامتحان هو الضرب بالمحن ، واللام للتعليل على معنى أن ظهور التقوى وهو الغرض والعلة وإلا فالصبر على المحنة مستفاد من التقوى لا العكس ، أو المراد أخلصها للتقوى أي جعلها خالصة لأجل التقوى أو أخلصها لها فلم يبق لغير التقوى فيها حق كأن القلوب خلصت ملكاً للتقوى ، وهذا أبلغ وهو استعارة من امتحان الذهب وإذابته ليخلص ابريزه من خبثه وينقي أو تمثيل ، وتفسير * ( امتحن ) * بأخلص رواه ابن جرير . وجماعة عن مجاهد ، وروي ذلك أيضاً عن الكعبي . وأبي مسلم ، وقال الواحدي : تقدير الكلام امتحن الله قلوبهم فأخلصها للتقوى فحذف الإخلاص لدلالة الامتحان عليه وليس بذاك . واختار صاحب الكشف ما نقل عنه أولاً فقال : الأول أرجح الوجوه لكثرة فائدته من الكناية والإسناد والدلالة على أن مثل هذا الغض لا يتأتى إلا ممن هو مدرب للتقوى صبور عليها فتأمل * ( لَهُمْ ) * في الآخرة * ( مَّغْفرَةٌ ) * لذنوبهم * ( وَأَجْرٌ عَظيمٌ ) * لغضهم أصواتهم عند النبي عليه الصلاة والسلام ولسائر طاعاتهم ، وتنكير * ( مغفرة وأجر ) * للتعظيم ، ففي وصف أجر بعظيم مبالغة في عظمه فإنه مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، وجملة * ( لهم ) * الخ مستأنفة لبيان جزاء الغاضين إحماداً لحالهم كما أخبر عنهم بجملة مؤلفة من معرفتين ، والمبتدأ اسم الإشارة المتضمن لما جعل عنواناً لهم ، والخبر الموصول بصلة دلت على بلوغهم أقصى الكمال مبالغة في الاعتداد بغضهم والارتضاء له وتعريضاً بشناعة الرفع والجهر وإن حال المرتكب لهما على خلاف ذلك ، وقيل الجملة خبر ثان لأن وليس بذاك ، والآية قيل : أنزلت في الشيخين رضي الله تعالى عنهما لما كان منهما من غض الصوت والبلوغ به أخا السرار بعد نزول الآية السابقة وفي حديث الحاكم . وغيره عن محمد ثابت بن قيس أنه قال بعد حكاية قصة أبيه وقوله : لا أرفع صوتي أبداً على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنزل الله تعالى : * ( إن الذين يغضون أصواتهم عن رسول الله ) * ( الحجرات : 3 ) الآية . وأنت تعلم أن حكمها عام ويدخل الشيخان في عمومها وكذا ثابت بن قيس . وقد أخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال : لما أنزل الله تعالى : * ( أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى ) * ( الحجرات : 3 ) قال رسول الله صلى الله