الآلوسي

124

تفسير الآلوسي

فتصافحا وحمداً الله واستغفراه غفر لهما " وفي رواية الترمذي " ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان ألا غفر لهما قبل أن يتفرقان " وفي الأذكار النووية أنها مستحبة عند كل لقاء وأما ما اعتاده الناس بعد صلاتي الصبح والعصر فلا أصل له ولكن لا بأس به ، فإن أصل المصافحة سنة وكونهم محافظين عليها في بعض الأحوال ومفرطين في كثير منها لا يخرج ذلك البعض عن كونه من المصافحة التي ورد الشرع بأصلها ، وجعل ذلك العز بن عبد السلام في قواعده من البدع المباحة ، وأطال الشيخ إبراهيم الكوراني قدس سره الكلام في ذلك ، وأما المانقة فقال الزمخشري : كرهها أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه وكذلك التقبيل قال : لا أحب أن يقبل الرجل من الرجل وجهه ولا يده ولا شيئاً من جسده ، ورخص أبو يوسف عليه الرحمة المعانقة ؛ ويؤيد ما روى عن الإمام ما أخرجه الترمذي عن أنس قال : " سمعت رجلاً يقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم : يا رسول الله الرجل منا يلقى أخاه أينحني له ؟ قال : لا قال : لا قال : أفيلتزمه ويقبله ؟ قال : لا قال : أيأخذ بيده ويصافحه ؟ قال : نعم " وفي " الأذكار " التقبيل وكذا المعانقة لا بأس به عند القدم من سفر ونحوه ، ومكروه كراهة تنزيه في غيره ، وللأمرد الحسن حرام بكل حال . أخرج الترمذي وحسنه عن عائشة قالت : قدم زيد بن خالد بن حارثة المدينة ورسول الله في بيتي فقرع الباب فقام إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم يجر ثوبه فاعتنقه وقبله ، وزاد رزين في حديث أنس السابق بعد قوله : ويقبله قال : " لا إلا أن يأتي من سفره " وروى أبو داود سئل أبو ذكر هل كان صلى الله عليه وسلم يصافحكم إذا لقيتموه ؟ قال : ما لقيته قط إلا صافحني وبعث إلي ذات يوم ولم أكن في أهلي فجئت فأخبرت أنه صلى الله عليه وسلم أرسل إلى فاتيته وهو على سريره فالتزمني فكانت أجود أجود ، وهذا يؤيد الإطلاق المحكي عن أبي يوسف ؛ وينبغي التأسي بهم رضي الله تعالى عنهم في التشدد على أعداء الدين والرحمة على المؤمنين . وقد أخرج ابن أبي شيبة . وأبو داود عن عبد الله بن عمر مرفوعاً " من لم يرحم صغيرنا ويعرف حق كبيرنا فليس منا " وإخراجاً هما . وأحمد . وابن حبان . والترمذي وحسنه عن أبي هريرة قال : " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : لا تنزع الرحمة إلا من شقي " ولا بأس بالبر والإحسان على عدو الدين إذا تضمن مصلحة شرعية كما أفاد ذلك ابن حجر في " فتاويه " الحديثية فليراجع . وقرأ يحيى بن يعمر * ( أشدا ) * بالقصر وهي قراءة شاذة لأن قصر الممدود في الشعر نحو قوله : لا بد من صنعاً وإن طال السفر وقوله تعالى : * ( تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً ) * خبر آخر - للدين - أو استئناف ويجوز فيه غير ذلك على ما لا يخفى ، والرؤية بصرية ، والخطاب لكل من تتأتى منه ، و * ( ركعاً سجداً ) * حال من المفعول ، والمراد تراهم مصلين ، والتعير بالركوع والسجود عن الصلاة مجاز مرسل ، والتعبير بالمضارع للاستمرار وهو استمرار عرفي ، ومن هنا قال في " البحر " : هذا دليل على كثرة الصلاة منهم * ( يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ الله ورَضْوَاناً ) * أي ثواباً ورضا ، والجملة إما خبر آخر أو حال من مفعول * ( تراهم ) * أو من المستتر في * ( ركعاً سجداً ) * أو استئناف مبني على سؤال نشأ من بيان مواظبتهم على الركوع والسجود كأنه قيل : ماذا يريدون بذلك ؟ فقيل : يبتغون فضلاً الخ . وقرأ عمرو بن عبيد * ( ورضواناً ) * بضم الراء * ( سيمَاهُمْ ) * أي علامتهم وقرئ * ( سيمياؤهم ) * بزيادة ياء بعد الميم والمد وهي لغة فصيحة كثيرة في الشعر قال الشاعر : غلام رماه الله بالحسن يافعا * له سيمياء لا تشق على البصر