الآلوسي

122

تفسير الآلوسي

يبدأ بالجانب الأيمن ، فقد أخرج ابن أبي شيبة عن أنس أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم قال للحلاق هكذا وأشار بيده إلى جانب الأيمن وإن يبلغ به إلى العظمين كما قال عطاء . وأخرج ابن أبي شيبة أيضاً عن ابن عباس . وابن عمر رضي الله تعالى عنهم أنهما كانا يقولان للحلاق أبدأ بالأيمن وأبلغ بالحلق العظمين ، واستدل بالآية أيضاً على أن التقصير بالرأس دون اللحية وسائر شعر البدن إذ الظاهر أن المراد ومقصرين رؤسكم أي شعرها لظهور أن الرؤس أنفسها لا تقصر * ( فَعَلَم مَا لَمْ تَعْمَلُوا ) * الظاهر عطفه على * ( لقد صدق ) * فالترتيب باعتبار التعلق الفعلي بالمعلوم أي فعلم عقيب ما أراه الرؤيا الصادقة ما لم تعلموا من الحكمة الداعية لتقديم ما يشهد للصدق علماً فعلياً ، وقيل : الفاء للتركيب الذكري * ( فَجَعَلَ ) * لأجل هذا العلم * ( مِنْ دُون ذَلكَ ) * أي من دون تحقق مصداق ما أراه من دخول المسجد الحرام آمنين الخ ، وقيل : أي من دون فتح مكة ، والأول أظهر ، وهذا أنسب بقوله تعالى : * ( فَتْحاً قَريباً ) * وهو فتح خيبر كما قال ابن زيد . وغيره ، والمراد بجعله وعده تعالى وإنجازه من غير تسويف ليستدل به على صدق الرؤيا وتستروح قلوب المؤمنين إلى تيسر وقوعها . وقال في " الكشاف " : * ( ما لم تعلموا ) * أي من الحكمة في تأخير فتح مكة إلى العام القابل ، وفيه أمران . الأول : أن فتح مكة لم يقع في العام الذي قاله بل في السنة الثامنة ، والتجوز في العام القابل أو تأويل الفتح بدخول المؤمنين مكة معتمرين لا يخفى حاله . الثاني : إباء الفاء عما ذكر لأن علمه تعالى بذلك متقدم على إراءة الرؤيا قطعاً . وأجيب عن هذا بالتزام كون الفاء للترتيب الذكري أو كون المراد فأظهر معلومه لكم وهو الحكمة فتدبر . ونقل عن كثير من الصحابة رضي الله تعالى عنهم أن الفتح القريب في الآية هو بيعة الرضوان ، وقال مجاهد . وابن إسحق : هو فتح الحديبية ، ومن الغريب ما قيل : إن المراد به فتح مكة مع أنه لم يكن دخول الرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه دون مكة على أنه مناف للسياق كما لا يخفى . * ( هُوَ الَّذِىأَرْسَلَ رَسُولَهُ بالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى باللَّهِ شَهِيداً ) * . * ( هُوَ الَّذي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بالْهُدَى ) * أي ملتبساً به على أن الباء للملابسة ، والجار والمجرور في موضع الحال من المفعول ، والتباسه بالهدي بمعنى أنه هاد ، وقيل : أي مصاحباً للهدي ، والمراد به الدليل الواضح والحجة الساطعة أو القرآن ، وجوز أن تكون الباء للسببية أو للتعليل وهما متقاربان ، والجار والمجرور متعلق بأرسل أي أرسله بسبب الهدي أو لأجله * ( وَدين الْحَقِّ ) * وبدين الإسلام ، والظاهر أن المراد به ما يعم الأصول والفروع ، وجوز أن يراد بالهدي الأصول وبدين الحق الفروع فإن من الرسل عليهم السلام من لم يرسل بالفروع وإنما أرسل بالأصول وتبيانها ، والظاهر أن المراد بالحق نقيض الباطل ، وجوز أن يراد به ما هو من أسمائه تعالى أي ودين الله الحق ، وجوز الإمام غير ذلك أيضاً * ( ليُظْهرَهُ عَلَى الدَّين كُلِّه ) * ليعليه على جنس الدين بجميع أفراده أي ما يدان به من الشرائع والملل فيشمل الحق والباطل ، وأصل الإظهار جعل الشيء على الظهر فلذا كني به عن الإعلاء وعن جعله بادياً للرائي ثم شاع في ذلك حتى صار حقيقة عرفية ، وإظهاره على الحق بنسخ بعض أحكامه المتبدلة بتبدل الاعصار ، وعلى الباطل ببيان بطلانه ، وجوز غير واحد - ولعله الأظهر بحسب المقام - أن يكون إظهاره على الدين بتسليط المسلمين على جميع أهل الأديان