الآلوسي
105
تفسير الآلوسي
المراد به لن تتبعونا في الانطلاق إلى خيبر كما سمعت عن محيى السنة أو هو مقيد بما روى عن مجاهد أو بما حكى عن بعض ، وقال أبو حيان : القول بأنهم لم يدعوا إلى حرب في أيام الرسول صلى الله عليه وسلم ليس بصحيح فقد حضر كثير منهم مع جعفر في موتة وحضروا حرب هوازن معه عليه الصلاة والسلام وحضروا معه صلى الله عليه وسلم أيضاً في سفرة تبوك انتهى ، ولا يخفى أن هذا إذا صح ينفي حمل النفي على التأييد . ومن الشيعة من اقتصر في رد الاستدلال على الدعوة في تبوك . وتعقب بأنه لم يقع فيها ما أخبر الله تعالى به في قوله سبحانه : * ( تقاتلونهم أو يسلمون ) * ومنهم من زعم أن الداعي علي كرم الله تعالى وجهه وزعم كفر البغاة والخوارج عليه رضي الله تعالى عنه وأنه لو سلم إسلامهم يراد بالإسلام في الآية الانقياد إلى الطاعة وموالاة الأمير ، وفيه ما لا يخفى ، والانصاف أن الآية لا تكاد تصح دليلاً على إمامة الصديق رضي الله تعالى عنهإلا إن صح خبر مرفوع في كون المراد بالقوم بني حنيفة ونحوهم ودون ذلك خرط القتاد ، ونفى بعضهم صحة كون المراد بالقوم فارساً والروم لأن المراد في قوله تعالى : * ( تقاتلونهم أو يسلمون ) * على ما سمعت وفارس مجوس والروم نصارى فلا يتعين فيهم أحد الأمرين من المقاتلة والإسلام إذ يقبل منهم الجزية ، وكذا اليهود ومشركو العجم والصابئة عند أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه وقال : يتعين كونهم مرتدين أو مشركي العرب لأنهم الذين لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف ، ومثل مشركي العرب مشركو العجم عند الشافعي رضي الله تعالى عنه فعنده لا تقبل إلا من أهل الكتاب والمجوس ، وأنت تعلم أن من فسر القوم بذلك يفسر الإسلام بالانقياد وهو يكون بقبول الجزية فلا يتم له أمر النفي فلا تغفل * ( فَإنْ تُطيعُوا ) * الدعي فيما دعاكم إليه * ( يُؤْتكُمُ الله أَجْراً حَسَناً ) * هو على ما قيل الغنيمة في الدنيا والجنة في الأخرى * ( وَإنْ تَتَوَلَّوْا ) * عن الدعوة * ( كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِّنْ قَبْلُ ) * في الحديبية * ( يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً ) * لتضاعف جرمكم ، وهذا التعذيب قال في " البحر " : يحتمل أن يكون في الدنيا وأن يكون في الآخرة ، ويحتمل عندي وهو الأوفق بما قبله على ما قيل كونه فيهما ولا بأس بكون كل من الإيتاء والتعذيب في الآخرة بل لعله المتبادر لكثرة استعمالهما في ذلك ، ولا يحسن كون الأمرين في الدنيا ولا كون الأول في الآخرة أو فيها وفي الدنيا والثاني في الدنيا فقط . * ( لَّيْسَ عَلَى الاَْعْمَى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الاَْعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الاَْنْهَارُ وَمَن يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَاباً أَلِيماً ) * . * ( لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ ) * أي إثم * ( وَلاَ عَلَى الأَعْرَج حَرَجٌ وَلاَ عَلَى المَريض حَرَجٌ ) * أي في التخلف عن الغزو لما بهم من العذر والعاهة ، وفي نفي الحرج عن كل من الطوائف المعدودة مزيد اعتناء بأمرهم وتوسيع لدائرة الرخصة ، وليس في نفي ذلك عنهم نهي لهم عن الغزو بل قالوا : إن أجرهم مضاعف في الغزو ، وقد غزا ابن أم مكتوم وكان أعمى رضي الله تعالى عنه وحضر في بعض حروب القادسية وكان يمسك الراية . وفي " البحر " لو حصر المسلمون فالفرض متوجه بحسب الوسع في الجهاد * ( وَمَنْ يُطع اللَّهَ وَرَسُولَهُ ) * فيما ذكر من الأوامر والنواهي . * ( يُدْخلْهُ جَنَّات تَجْري مِنْ تَحْتَهَا الأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ ) * عن الطاعة * ( يُعَذِّبْهُ عذاباً أَليماً ) * لا يقادر قدره والمعنى بالوعد والوعيد هنا أعم من المعنى بهما فيما سبق كما ينبئ عن ذلك التعبير بمن هنا وبضمير الخطاب هناك ، وقيل في الوعيد * ( يعذبه ) * الخ دون يدخله ناراً ونحوه مما هو أظهر في المقابلة لقوله تعالى : * ( يدخله جنات ) * الخ اعتناء بأمره من حيث أن التعذيب يوم القيامة عذاباً أليماً يستلزم إدخال النار وإدخالها لا يستلزم ذلك ، واعتنى