الآلوسي
154
تفسير الآلوسي
وكلام الشافعية صريح بأن ذلك مكروه لا حرام فضلاً عن كونه كبيرة ، والذي يتجه في ذلك تفصيل وهو أن من سبه فإن أراد به الزمن فلا كلام في الكراهة ، أو الله عز وجل فلا كلام في الكفر ، ومثله إذا أراد المؤثر الحقيقي فإنه ليس إلا الله سبحانه ؛ وإن أطلق فهذا محل التردد لاحتمال الكفر وغيره وظاهر كلامهم هنا أيضاً الكراهة لأن المتبادر منه الزمن وإطلاقه على الله تعالى كما قال بعض الأجلة إنماهو بطريق التجوز . ومن الناس من قال : إن سبه كبيرة إن اعتقد أن له تأثيراً فيما نزل به كما كان يعتقد جهلة العرب ، وفيه نظر لأن اعتقاد ذكر كفر وليس الكلام فيه ، وأنكر بعضهم كون ما في حديث أبي داود . والحاكم " فإني أنا الدهر " بضم الراء وقال : لو كان كذلك كان الدهر من أسمائه تعالى وكان يرويه " فإني أنا الدهر " بفتح الراء ظرفاً لأقلب أي فإني أنا أقلب الليل والنهار الدهر أي على طول الزمان وممره ، وفيه أن رواية مسلم فإن الله هو الدهر تبطل ما زعمه ، ومن ثم كان الجمهور على ضم الراء . ولا يلزم عليه أن يكون من أسمائه تعالى لما سبق أن ذلك على التجوز ، وحكى الراغب عن بعضهم أن الدهر الثاني في حديث مسلم غير الأول وأنه مصدر بمعنى الفاعل ، والمعنى أن الله تعالى هو الدهر أي المصرف المدبر المفيض لما يحدث ، وفيه بعد . وقرأ عبد الله * ( إلا دهر ) * وتأويله إلا دهر يمر * ( وَمَا لَهُمْ بذَلكَ ) * أي بما ذكر من قصر الحياة على ما في الدنيا ونسبة الإهلاك إلى الدهر * ( منْ علْم ) * مستند إلى عقل أو نقل * ( إنْ هُمْ إلاَّ يَظُنُّونَ ) * ما هم إلا قوم قصارى أمرهم الظن والتقليد من غير أن يكون لهم ما يصح أن يتمسك به في الجملة ، هذا معتقدهم الفاسد في أنفسهم . * ( وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ائْتُواْ باابَآئِنَآ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ) * . * ( وَإذَا تُتْلَى عَلَيْهمْ ءَايَاتُنَا ) * الناطقة بالحق الذي من جملته البعث * ( بَيِّنَات ) * واضحات الدلالة على ما نطقت به مما يخالف معتقدهم أو مبينات له * ( مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ ) * بالنصب على أنه خبر كان واسمها قوله تعالى : * ( إلاَّ أَن قَالُوا ائْتُوا بآبَائنَا إنْ كُنْتُمْ صَادقينَ ) * أي في أنا نبعث بعد الموت أي ما كان متمسكاً لهم شيء من الأشياء إلا هذا القول الباطل الذي يستحيل أن يكون حجة ، وتسميته حجة لسوقهم إياه مساق الحجة على سبيل التهكم بهم أو أنه من قبيل : تحية بينهم ضرب وجيع أي ما كان حجتهم إلا ما ليس بحجة ، والمراد نفي أن يكون لهم حجة فإنه لا يلزم من عدم حصول الشيء حالاً كإعادة آبائهم التي طلبوها في الدنيا امتناعه بعد لتمتنع الإعادة إذا قامت القيامة ، والخطاب في * ( ائتوا . وكنتم ) * للرسول عليه الصلاة والسلام والمؤمنين إذ هم قائلون بمقالته صلى الله عليه وسلم من البعث طالبون من الكفرة الإقرار به ، وجوز أن يكون له عليه الصلاة والسلام وللأنبياء عليهم السلام الجائين بالبعث وغلب الخطاب على الغيبة . وقال ابن عطية : * ( ائتوا . وكنتم ) * من حيث المخاطبة له صلى الله عليه وسلم والمراد هو وإلهه والملك الذي يذكر عليه الصلاة والسلام نزوله عليه بذلك وهو جبريل عليه السلام ، وهو كما ترى . وقرأ الحسن . وعمرو بن عبيد . وابن عامر فيما روى عنه عبد الحميد . وعاصم فيما روى هارون . وحسين عن أبي بكر عنه * ( حجتهم ) * بالرفع على أنه اسم كان وما بعد خبر أي ما كان حجتهم شيئاً من الأشياء إلا هذا القول الباطل ، وجواب * ( إذا ) * ما كان الخ ، ولم تقترن بالفاء وإن كانت لازمة في المنفى بما إذا وقعت جواب الشرط لأنها غير جازمة ولا أصلية في الشرطية ، وهو سر قول أبي حيان : إن إذا خالفت أدوات الشرط بأن جوابها إذا كان