الآلوسي
135
تفسير الآلوسي
أنه بدل اشتمال لا كل وبعض ، وفي ذلك دلالة على نزاهة مكانهم واشتماله على ما يستلذ من المآكل والمشارب . * ( يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَقَابِلِينَ ) * . * ( يَلْبَسُونَ منْ سُنْدُس وَاسْتَبْرَق ) * خبر ثان أو حال من الضمير في الجار والمجرور أو استئناف ، والسندس قال ثعلب : الرقيق من الديباج والواحدة سندسة ، والإستبرق غليظه ، وقال الليث : هو ضرب من البزيون يتخذ من المرعز ، ولم يختلف أهل اللغة في أنهما معربان كذا ذكره بعضهم . وفي " الكشاف " الإستبرق ما غلظ من الديباج وهو تعريب استبر ، قال الخفاجي : ومعنى استبر في لغة الفرس الغليظ مطلقاً ثم خص بغليظ الديباج وعرب ، وقيل : إنه عربي من البراقة ، وأيد بقراءته بوصل الهمزة وهو كما ترى . وذكر بعضهم أن السندس أصله سندي ومعناه منسوب إلى السند المكان المعروف لأن السندس كان يجلب منه فأبدلت ياء النسبة سيناً ، وقد مر الكلام في ذلك فتذكر ، ثم إن وقوع المعرب في القرآن العظيم لا ينافي كونه عربياً مبيناً . ونقل صاحب الكشف عن جار الله أنه قال : الكلام المنظوم مركب من الحروف المبسوطة في أي ليان كان تركي أو فارسي أو عربي ثم لا يدل على أن العربي أعجمي فكذا ههنا ، ثم قال صاحب الكشف : يريد أن كون استبر أعجمياً لا يلزمه أن يكون إستبرق كذلك . وقرأ ابن محيصن * ( وإستبرق ) * فعلاً ماضياً كما في " البحر " ، والجملة حينئذٍ قيل معترضة ، وقيل : حال من * ( سندس ) * والمعنى يلبسون من سندس وقد برق لصقالته ومزيد حسنه * ( مُتَقَابلينَ ) * في مجالسهم ليستأنس بعضهم ببعض . * ( كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ ) * . * ( كَذَلكَ ) * أي الأمر كذلك فالكاف في محل رفع على الخبرية لمبتدأ محذوف ، والمراد تقرير ما مر وتحقيقه . ونقل عن جار الله أنه قال : والمعنى فيه أنه لم يستوف الوصف وأنه بمثابة ما لا يحيط به الوصف فكأنه قيل : الأمر نحو ذلك وما أشبهه . وأراد على ما قال المدقق أن الكاف مقحم للمبالغة وذلك مطرد في عرفي العرب والعجم ، وجوز أن يكون في محل نصب على معنى أثبناهم مثل ذلك ، وقوله تعالى : * ( وَزَوَّجْنَاهُمْ ) * على هذا عطف على الفعل المقدر وعلى ما قبل على * ( يلبسون ) * والمراد على ما قال غير واحد وقرناهم * ( بحُور عين ) * وفسر بذلك قيل لأن الجنة ليس فيها تكليف فلا عقد ولا تزويج بالمعنى المشهور ، وقيل : لمكان الباء ، وزوجه المرأة بمعنى أنكحه إياها متعد بنفسه ، وفيه بحث فإن الأخفش جوز الباء فيه فيقال : زوجته بامرأة فتزوج بها ، وأزدشنوءة يعدونه بالباء أيضاً ، وفي " القاموس " زوجته امرأة وتزوجت امرأة وبها أو هي قليلة ، ويعلم مما ذكر أن قول بعض الفقهاء زوجته بها خطأ لا وجه له ، ويجوز أن يقال : إن ذلك التفسير لأن الحور العين في الجنة ملك يمين كالسراري في الدنيا فلا يحتاج الأمر إلى العقد عليهن ، على أنه يمكن أن يكون في الجنة عقد وإن لم يكن فيها تكليف . وقد أخرج ابن جرير . وغيره عن مجاهد أنه قال : زوجناهم أنكحناهم . ومن الناس من قال بالتكليف فيها بمعنى الأمر والنهي لكن لا يجدون في الفعل والترك كلفة ، نعم المشهور أن لا تكليف فيها ، وبعض ما حرم في الدنيا كنكاح امرأة الغير ونكاح المحارم لا يفعلونه لعدم خطوره لهم ببال أصلاً ، والحور جمع حوراء وهي البيضاء كما روي عن ابن عباس . والضحاك . وغيرهما ، وقيل : الشديدة سواد العين وبياضها ، وقيل : الحوراء ذات الحور وهو سواد المقلة كلها كما في الظباء فلا يكون في الإنسان إلا مجازاً . وأخرج ابن المنذر . وغيره عن مجاهد أن الحوراء التي يحار فيها الطرف . والعين جمع عيناء وهي عظيمة العينين وأكثر الأخبار تدل على أنهن