الآلوسي

75

تفسير الآلوسي

فكيف نغني عنكم ولو قدرنا لدفعنا عن أنفسنا شيئاً من العذاب ؛ ورفع * ( كل ) * على الابتداء وهو مضاف تقديراً لأن المراد كلنا و * ( فيها ) * خبره والجملة خبر إن . وقرأ ابن السميقع . وعيسى بن عمر * ( كلا ) * بالنصب ، وخرجه ابن عطية . والزمخشري على أنه توكيد لاسم إن ، وكون كل المقطع عن الإضافة يقع تأكيداً اكتفاء بأن المعنى عليها مذهب الفراء ونقله أبو حيان عن الكوفيين . ورده ابن مالك في " شرحه للتسهيل " ، وقيل : هو حال من المستكن في الظرف . وتعقب بأنه في معنى المضاف ولذا جاز الابتداء به فكيف يكون حالاً ، وإذا سلم كفاية هذا المقدار من التنكير في الحالية فالظرف لا يعمل في الحال المتقدمة كما يعمل في الظرف المتقدم نحو كل يوم لك ثوب . وأجيب عن أمر العمل بأن الأخفش أجاز عمل الظرف في حال إذا توسطت بينه وبين المبتدأ نحو زيد قائماً في الدار عندك وما في الآية الكريمة كذلك ، على أن بعضهم أجاز ذلك ولو تقدمت الحال على المبتدأ والظرف ؛ نعم منعه بعضهم مطلقاً لكن المخرج لم يقلده ، وابن الحاجب جوزه في بعض كتبه ومنعه في بعض ، قيل : وقد يوفق بينهما بأن المنع على تقدير عمل الظرف لنيابته عن متعلقه ، والجواز على جعل العامل متعلقه المقدر فيكون لفظياً لا معنوياً ، وإلى هذا التخريج ذهب ابن مالك وأنشد له قول بعض الطائيين : دعا فأجبنا وهو بادي ذلة * لديكم فكان النصر غير قريب وحمل قوله تعالى : * ( والسماوات مطويات بيمينه ) * ( الزمر : 67 ) في قراءة النصب على ذلك ، وقال أبو حيان : الذي اختاره في تخريج هذه القراءة أن كلا بدل من اسم إن لأن كلا يتصرف فيها بالابتداء ونواسخه وغير ذلك فكأنه قيل : أن كلا فيها . وإذا كانوا قد تأولوا حولاً أكتعاً ويوماً أجمعاً على البدل مع أنهما لا يليان العوامل فأن يدعي في كل البدل أولى ، وأيضاً فتنكير * ( كل ) * ونصبه حالاً في غاية الشذوذ نحو مررت بهم كلا أي جميعاً . ثم قال : فإن قلت : كيف تجعله بدلاً وهو بدل كل من كل من ضمير المتكلم وهو لا يجوز على مذهب جمهور النحويين ؟ قلت : مذهب الأخفش . والكوفيين جوازه وهو الصحيح ، على أن هذا ليس مما وقع فيه الخلاف بل إذا كان البدل يفيد الإحاطة جاز أن يبدل من ضمير المتكلم وضمير المخاطب لا نعلم خلافاً في ذلك كقوله تعالى : * ( تكون لنا عيداً لأولنا وآخرنا ) * ( المائدة : 114 ) وكقولك : مررت بكم صغيركم وكبيركم معناه مررت بكم كلكم وتكون لنا عيداً كلنا ، فإذا جاز ذلك فيما هو بمعنى الإحاطة فجوازه فيما دل على الإحاطة وهو * ( كل ) * أولى ولا التفات لمنع المبرد البدل فيه لأنه بدل من ضمير المتكلم لأنه لم يحقق مناط الخلاف انتهى ، ولعل القول بالتوكيد أحسن من هذا وأقرب ، ورد ابن مالك له لا يعول عليه * ( إنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعبَاد ) * فأدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ، وقدر لكل منا ومنكم عذاباً لا يدفع عنه ولا يتحمله عنه غيره . * ( وَقَالَ الَّذِينَ فِى النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُواْ رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِّنَ الْعَذَابِ ) * . * ( وَقَالَ الَّذينَ في النَّار ) * من الضعفاء والمستكبرين جميعاً لما ضاقت بهم الحيل وعيت بهم العلل * ( لَخَزَنَة جَهَنَّمَ ) * أي للقوام بتعذيب أهل النار ، وكان الظاهر - لخزنتها - بضمير النار لكن وضع الظاهر موضعه للتهويل ، فإن جهنم أخص من النار بحسب الظاهر لإطلاقها على ما في الدنيا أو لأنها محل لأشد العذاب لشامل للنار وغيرها ، وجوز أن يكون ذلك لبيان محل الكفرة في النار بأن تكون جهنم أبعد درجاتها من قولهم : بئر جهنام بعيدة القعر وفيها أعتى الكفرة وأطغاهم ، فلعل الملائكة الموكلين بعذاب أولئك أجوب دعوة لزيادة قربهم من الله عز وجل فلهذا تعمدهم أهل النار بطلب الدعوة