الآلوسي

55

تفسير الآلوسي

والأصل فليدع ذلك المنيب ، على معنى إن صحت الإنابة على نحو فقد جئنا خراساناً ، وقد وافق على كونه خطاباً لمن ذكر غير واحد . وفي " الكشف " التحقيق أن قوله تعالى : * ( وما يتذكر ) * الخ اعتراض وقوله سبحانه : * ( فادعوا الله ) * مسبب عن قوله تعالى : * ( هو الذي يريكم ) * على أنه خطاب يعم المؤمن والكافر لسبق ذكرهما لا للكفار وحدهم على نحو * ( من مقتكم أنفسكم ) * إذ ليس مما نودوا به يوم القيامة ، والمعنى فادعوه فوضع الظاهر موضع المضمر ليتمكن فضل تمكن وليشعر بأن كونه تعالى هو المعبود بحق هو الذي يقتضي أن يعبد وحده . وفائدة الاعتراض أن هذه الآيات ودلالتها على اختصاصه سبحانه وحده بالعبادة بالنسبة إلى من ينيب لا المعاند . وقوله في " الكشاف " : ثم قال للمنيبين إشارة إلى أن فائدة تقديم الاعتراض أن الانتفاع بالآيات على هذا التقدير فكأنه مسبب عن الإنابة معنى لما كان تسبب السابق للأحق الإنابة ، فهذا هو الوجه ولا يأباه تفسير * ( ولو كره الكافرون ) * بقوله : وإن غاظ ذلك أعداءكم فإنه للتنبيه على أن امتثال ذلك الأمر إنما يكون بعد إنابتهم وكأن قد حصل ذلك وحصل التضاد بينهم وبين الكافرين ، وهو تحقيق حقيق بالقبول لكن في توجيه كلام الكشاف تكلف ظاهر . * ( رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِى الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلاَقِ ) * . * ( رَفيعُ الدَّرجَات ) * صفة مشبهة أضيفت إلى فاعلها من رفع الشيء بالضم إذا علا ، وجوز أن يكون صيغة مبالغة من باب أسماء الفاعلين وأضيف إلى المفعول وفيه بعد ، و * ( الدرجات ) * مصاعد الملائكة عليهم السلام إلى أن يبلغوا العرش أي رفيع درجات ملائكته ومعارجهم إلى عرشه . وفسرها ابن جبير بالسماوات ولا بأس بذلك فإن الملائكة يعرجون من سماء إلى سماء حتى يبلغوا العرش إلا أنه جعل * ( رفيعاً ) * اسم فاعل مضافاً إلى المفعول فقال : أي رفع سماء فوق سماء والعرش فوقهن ، وقد سمعت آنفاً أن فيه بعداً ، ووصفه عز وجل بذلك للدلالة على سبيل الإدماج على عزته سبحانه وملكوته جل شأنه . ويجوز أن يكون كناية عن رفعة شأنه وسلطانه عز شأنه وسلطانه كما أن قوله تعالى : * ( ذُو الْعَرْش ) * كناية عن ملكه جل جلاله ، ولا نظر في ذلك إلى أن له سبحانه عرشاً أو لا ، فالكناية وإن لم تناف إرادة الحقيقة لكن لا تقتضي وجوب إرادتها فقد وقد ؛ وعن ابن زيد أنه قال : أي عظيم الصفات وكأنه بيان لحاصل المعنى الكنائي ، وقيل : هي درجات ثوابه التي ينزلها أولياءها تعالى يوم القيامة ، وروى ذلك عن ابن عباس وابن سلام ، وهذا أنسب بقوله تعالى : * ( فادعوا الله مخلصين ) * والمعنى الأول أنسب بقوله تعالى : * ( يُلْقَى الرُّوحَ مِنْ أَمْره ) * لتضمنه ذكر الملائكة عليهم السلام وهم المنزلون بالروح كما قال سبحانه : * ( ينزل الملائكة بالروح من أمره ) * ( النحل : 2 ) وأياً ما كان - فرفيع الدرجات - و * ( ذو العرش ) * وجملة * ( يلقى ) * أخبار ثلاثة قيل : - لهو - السابق في قوله تعالى : * ( هو الذي يريكم ) * ( الرعد : 12 ) الخ واستبعده أبو حيان بطول الفصل ، وقيل : لهو محذوفاً ، والجملة كالتعليل لتخصيص العبادة وإخلاص الدين له تعالى ، وهي متضمنة بيان إنزال الرزق الروحاني بعد بيان إنزال الرزق الجسماني في * ( ينزل لكم من السماء رزقاً ) * ( غافر : 13 ) فإن المراد بالروح على ما روى عن قتادة الوحي وعلى ما روى عن ابن عباس القرآن وذلك جار من القلوب مجرى الروح من الأجساد ، وفسره الضحاك بجبريل عليه السلام وهو عليه والسلام حياة القلوب باعتبار ما ينزل به من العلم . وجوز ابن عطية أن يراد به كمل ما ينعم الله تعالى به على عباده المهتدين في تفهيم الايمان والمعقولات الشريفة وهو كما ترى ، وقوله تعالى : * ( من أمره ) * قيل : بيان للروح ، وفسر بما يتناول الأمر والنهي ، وأوثر على