الآلوسي

6

تفسير الآلوسي

ما ذكر كما يظهر بأدنى التفات أردف بقوله تعالى : * ( أليس الله بكاف عبده ) * وحيث أن مطمح النظر من العباد السيد الحبيب صلى الله عليه وسلم كان المعنى الله تعالى يجازي عبده ونبيه عليه الصلاة والسلام هذا الجزاء المذكور وفيه أنه الذي يجزيه البتة ويلائمه قوله تعالى : * ( ويخوفونك ) * فإنه لما كان في مقابلة ذم آلهتهم كما سمعت في سبب النزول كان تحذيراً من جزاء الآلهة فلا مغمز بعدم الملاءمة . نعم لا ننكر أن معنى الكفاية أبلغ كما هو مقتضى القراءة المشهورة فاعلم ذاك والله تعالى يتولى هداك . * ( وَمَنْ يُّضْلل اللَّهُ ) * حتى غفل عن كفايته تعالى عبده وخوف بما لا ينفع ولا يضر أصلاً * ( فَما لَهُ منْ هَاد ) * يهديه إلى خير ما . * ( وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِى انتِقَامٍ ) * . * ( وَمَنْ يَهْد اللَّهُ ) * فيجعل كونه تعالى كافياً نصيب عينه عاملاً بمقتضاه * ( فما لَهُ منْ مُضلّ ) * يصرفه عن مقصده أو يصيبه بسوء يخل بسلوكه إذ لا راد لفعله ولا معارض لإرادته عز وجل كما ينطق به قوله تعالى : * ( أَلَيْسَ اللَّهُ بعَزيز ) * غالب لا يغالب منيع لا يمانع ولا ينازع * ( ذي انْتقَام ) * ينتقم من أعدائه لأوليائه ، وإظهار الاسم الجليل في موضع الاضمار لتحقيق مضمون الكلام وتربية المهابة . * ( وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السَّمَاواتِ والاَْرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِىَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِى بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِىَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ ) * . * ( وَلَئنْ سَأَلْتَهُمْ منْ خَلَقَ السَّمَوَات وَالأَرْضَ ليَقُولُنَّ اللَّهُ ) * لظهور الدليل ووضوح السبيل فقد تقرر في العقول وجوب انتهاء الممكنات إلى واجب الوجود ، والاسم الجليل فاعل لفعل محذوف أي خلقهن الله * ( قُلْ ) * تبكيتاً لهم * ( أَفَرأَيْتُمْ مَّا تَدْعُونَ منْ دُون الله انْ أرَادَني اللَّهُ بضُرّ هَلْ هُنَّ كَاشفَاتُ ضُرِّه ) * أي إذا كان خالق العالم العلوي والسفلي هو الله عز وجل كما أقررتم فأخبروني أن آلهتكم ان أرادني الله سبحانه بضر هل هن يكشفن عني ذلك الضر ، فالفاء واقعة في جواب شرط مقدر ؛ وقال بعضهم : التقدير إذا لم يكن خالق سواه تعالى فهل يمكن غيره كشف ما أراد من الضر ، وجوز أن تكون عاطفة على مقدر أي أتفكرتم بعد ما أقررتم فرأيتم ما تدعون الخ . * ( أَوْ أَرَادَني برَحْمَة ) * أي أو أن أرادني بنفع * ( هَلْ هُنَّ مُمْسكَاتُ رَحْمَته ) * فيمنعها سبحانه عني . وقرأ الأعرج . وشيبة . وعمرو بن عبيد . وعيسى بخلاف عنه . وأبو عمرو . وأبو بكر * ( كاشفات وممسكات ) * بالتنوين فيهما ونصب ما بعدهما وتعليق إرادة الضر والرحمة بنفسه التفيسة عليه الصلاة والسلام للرد في نحورهم حيث كانوا خوفوه معرة الأوثان ولما فيه من الإيذان بامحاض النصحية ، وقدم الضر لأن دفعه أهم ، وقيل : * ( كاشفات وممسكات ) * على ما يصفونها به من الأنوثة تنبيهاً على كمال ضعفها * ( قُلْ حَسْبيَ اللَّهُ ) * كافي جل شأنه في جميع أموري من إصابة الخير ودفع الشر . روي عن مقاتل أنه صلى الله عليه وسلم لما سألهم سكتوا فنزل ذلك . * ( عَلَيْه يَتَوَكَّلُ ) * لا على غيره في كل شيء * ( المُتَوَكِّلُونَ ) * لعلمهم أن كل ما سواه تحت ملكوته تعالى . * ( قُلْ ياقَوْمِ اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّى عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ) * . * ( قُلْ يَا قَوْم اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتكُمْ ) * على حالتكم التي أنتم عليها من العداوة التي تمكنتهم فيها فإن المكانة نقلت من المكان المحسوس إلى الحالة التي عليها الشخص واستعيرت لها استعارة محسوس لمعقول ، وهذا كما تستعار حيث وهنا للزمان بجامع الشمول والإحاطة ، وجوز أن يكون المعنى اعملوا على حسب تمكنكم واستطاعتكم . وروي عن عاصم * ( مكاناتكم ) * بالجمع والأمر للتهديد ، وقوله تعالى : * ( إنِّي عَاملٌ ) * وعيد لهم واطلاقه لزيادة الوعيد لأنه لو قيل : على مكانتي لتراءى أنه عليه الصلاة والسلام على حالة واحدة لا تتغير ولا تزداد فلما