الآلوسي
50
تفسير الآلوسي
إثر الأذان وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته ، وقد أجيب عن ذلك بغير ما أشير إليه أيضاً وهو أن سبق الوعد لا يستدعي حصول الموعود بلا توسط دعاء . وبالجملة لا بأس بحمل التوبة على التوبة من الذنوب مطلقاً ولا يلزم من القول به القول بشيء من أصول المعتزلة فتأمل وأنصف [ بم وقوله تعالى : * ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ ) * . * ( إنَّ الَّذينَ كَفَرُوا ) * شروع في بيان أحوال الكفال بعد دخول النار . * ( يُنَادَوْنَ ) * وهم في النار وقد مقتوا أنفسهم الأمارة بالسوء التي وقعوا فيما وقعوا باتباع هواها حتى أكلوا أناملهم من المقت كما أخرج ذلك عبد بن حميد عن الحسن . وفي بعض الآثار أنهم يمقتون أنفسهم حين يقول لهم الشيطان : * ( فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ) * ( إبراهيم : 22 ) وقيل : يمقتونها حين يعلمون أنهم من أصحاب النار ، والمنادي الخزنة أو المؤمنون يقولون لهم إعظاماً لحسرتهم : * ( لَمَقْتُ الله أَكْبَرُ مِنْ مَّقْتكُمْ أَنْفُسَكُمْ ) * وهذا معمول للنداء لتضمنه معنى القول كأنه قيل ينادون مقولاً لهم لمقت الخ أو معمول لقول مقدر بفاء التفسير أي ينادون فيقال لهم : لمقت الخ ، وجعله معمولاً للنداء على حذف الجار وإيصال الفعل بالجملة ليس بشيء ، و * ( مقت ) * مصدر مضاف إلى الاسم الجليل إضافة المصدر لفاعله ، وكذا إضافة المقت الثاني إلى ضمير الخطاب . وفي الكلام تنازع أو حذف معمول الأول من غير تنازل أي لمقت الله إياكم أو أنفسكم أكبر من مقتكم أنفسكم ، واللام للابتداء أو للقسم ، والمقت أشد البغض ؛ والخلف يؤولونه مسنداً إليه تعالى بأشد الإنكار . * ( إذْ تُدْعَوْنَ ) * أي إذ يدعوكم الأنبياء ونوابهم * ( إلَى الايمَان ) * فتأبون قبوله * ( فَتَكْفُرُونَ ) * وهذا تعليل للحكم أو للمحكوم به - فإذ - متعلقة - بأكبر - وكان التعبير بالمضارع للإشارة إلى الاستمرار التجددي كأنه قيل : لمقت الله تعالى أنفسكم أكبر من مقتكم إياها لأنكم دعيتم مرة بعد مرة إلى الايمان فتكرر منكم الكفر ، وزمان المقتين واحد على ما هو المتبادر وهو زمان مقتهم أنفسهم الذي حكيناه آنفاً " . ويجوز أن يكون تعليلاً لمقتهم أنفسهم وإذ متعلق - بمقت - الثاني فهم مقتوا أنفسهم لأنهم دعوا مراراً إلى الايمان فكفروا ، والتعبير بالمضارع كما في الوجه السابق ، وزمان المقتين كذلك ، والعلة في الحقيقة إصرارهم على الكفر مع تكرر دعائهم إلى الايمان ، وجوز أن يكون تعليلاً لمقت الله و * ( إذ ) * متعلقة به ، ويعلم مما سيأتي قريباً إن شاء الله تعالى ما عليه وما له ، وظاهر صنيع جماعة من الأجلة اختيار كون * ( إذ ) * ظرفية لا تعليلية فقيل : هي ظرف - لمقت - الأول ، والمعنى لمقت الله تعالى أنفسكم في الدنيا إذ تدعون إلى الايمان فتكفرون أشد من مقتكم إياها اليوم وأنتم في النار أو وأنتم متحققون إنكم من أصحابها فزمان المقتين مختلف ، وكون زمان الأول الدنيا وزمان الثاني الآخرة مروي عن الحسن ، وأخرجه عبد بن حميد . وابن المنذر عن مجاهد ، واعترض عليه غير واحد بلزوم الفصل بين المصدر وما في صلته بأجنبي هو الخبر ، وفي أمالي ابن الحاجب لا بأس بذلك لأن الظروف متسع فيها ، وقيل : هي لمصدر آخر يدل عليه الأول أو لفعل يدل عليه ذلك كما في البحر . وفي " الكشف " فيه أن المقدر لا بد له من جزاآت أن استقل ويتسع الخرق وإن جعل بدلاً فحذفه وأعمال