الآلوسي

91

تفسير الآلوسي

بين هذه الصفات القبيحة عن الاتصاف بها المفضي إلى الإيذاء * ( لَنُغْريَنَّكَ بهِمْ ) * أي لندعونك إلى قتالهم وإجلائهم أو فعل ما يضطرهم إلى الجلاء ونحرضك على ذلك يقال : أغراه بكذا إذا دعاه إلى تناوله بالتحريض عليه ، وقال الراغب : غرى بكذا أي لهج به ولصق ، وأصل ذلك من الغراء وهو ما يلصق به وقد أغريت فلاناً بكذا ألهجت به ، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أي لنسلطنك عليهم * ( ثُمَّ لاَ يُجَاورُونَكَ ) * عطف على جواب القسم وثم للتفاوت الرتبي والدلالة على أن الجلاء ومفارقة جوار الرسول صلى الله عليه وسلم أعظم ما يصيبهم وأشده عندهم * ( فيهَا ) * أي في المدينة * ( إلاَّ قَليلاً ) * أي زماناً أو جواراً قليلاً ريثما يتبين حالهم من الانتهاء وعدمه أو يتلقطون عيالاتهم وأنفسهم . وفي الآية عليه كما في " الانتصاف " إشارة إلى أن من توجه عليه إخلاء منزل مملوك للغير بوجه شرعي يمهل ريثما ينتقل بنفسه ومتاعه وعياله برهة من الزمان حتى يتيسر له منزل آخر على حسب الاجتهاد ، ونصب * ( قليلاً ) * على ما أشرنا إليه على الظرفية أو المصدري ، وجوز أن يكون نصباً على الحال أي إلا قليلين أطلاء ، ولا يخفى حاله على ذي تمييز . وقوله تعالى : * ( مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُواْ أُخِذُواْ وَقُتِّلُواْ تَقْتِيلاً ) * . * ( مَلْعُونينَ ) * نصب على الذم أي أذم ملعونين أو على الحال من فاعل * ( لا يجاورونك ) * والاستثناء شامل له عند من يرى جواز نحو ذلك ، وقد تقدم الكلام عليه عند قوله تعالى : * ( إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه ) * ( الأحزاب : 53 ) وجعل ابن عطية المعنى على الحالية ينتفون ملعونين ، وجوز أن يكون حالاً من ضميرهم في قوله تعالى : * ( أَيْنَما ثُقفُوا ) * أي حصروا وظفر بهم ، وكأنه على معنى أينما ثقفوا متصفين بما هم عليه * ( أُخذوا ) * أي أسروا ومنه الأخيذ للأسير * ( وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً ) * أي قتلوا أبلغ قتل . وقرئ * ( قتلوا ) * بالتخفيف فيكون * ( تقتيلاً ) * مصدراً على غير الصدر . واعترض على الحالية مما ذكر بأن أداة الشرط لا يعمل ما بعدها فيما قبلها مطلقاً وهذا أحد مذاهب للنحاة في المسألة ، ثانيها الجواز مطلقاً ، وثالثها جواز تقديم معمول الجواب دون معمول الشرط . وجوز على تقدير كون * ( قليلاً ) * حالاً أن يكون * ( ملعونين ) * بدلاً منه . وتعقبه أبو حيان بأن البدل بالمشتق قليل ثم قال : والصحيح أن * ( ملعونين ) * صفة لقليل أي إلا قليلين ملعونين ويكون * ( قليلاً ) * مستثنى من الواو في * ( لا يجاورونك ) * والجملة الشرطية صفة أيضاً أي مقهورين مغلوباً عليهم اه‍ ، وهو كما ترى . وقوله تعالى : * ( سُنَّةَ اللَّهِ فِى الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً ) * . * ( سُنَّةَ الله في الَّذينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ ) * مصدر مؤكد أي سن الله تعالى ذلك في الأمم الماضية سنة وهي قتال الذين يسعون بالفساد بين قوم وإجلائهم عن أوطانهم وقهرهم أينما ثقفوا متصفين بذلك . * ( وَلَنْ تَجدَ ) * أيها النبي أو يا من يصح منك الوجدان أبداً * ( لسُنَّة الله ) * لعادته عز وجل المستمرة * ( تَبْديلاً ) * لابتنائها على أساس الحكمة فلا يبدلها هو جل شأنه وهيهات هيهات أن يقدر غيره سبحانه على تبديلها ، ومن سبر أخبار الماضين وقف على أمر عظيم في سوء معاملتهم المفسدين فيما بينهم ، وكأن الطباع مجبولة على سوء المعاملة معهم وقهرهم ، وفي " تفسير الفخر " : * ( ولن تجد لسنة الله تبديلاً ) * أي ليست هذه السنة مثل الحكم الذي يتبدل وينسخ فإن النسخ يكون في الأحكام أما الأفعال والأخبار فلا تنسخ . وللسدي كلام غريب في الآية لا أظن أن أحداً قال به . أخرج ابن أبي حاتم عنه أنه قال فيها : كان النفاس على ثلاثة أوجه : نفاق مثل نفاق عبد الله بن سلول ونظائره كانوا وجوهاً من وجوه الأنصار فكانوا يستحيون أيأتوا الزنا يصونون بذلك