الغرناطي الكلبي
31
التسهيل لعلوم التنزيل
وأكثر استعمالا ، ولأن الزبور مفرد فدلالته على الواحد أرجح من دلالته على الجمع ، ولأن النص قد ورد في زبور داود بأن الأرض يرثها الصالحون * ( أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ ) * الأرض هنا على الإطلاق في مشارق الأرض ومغاربها ، وقيل : الأرض المقدسة ، وقيل : أرض الجنة ، والأول أظهر ، والعباد الصالحون : أمّة محمد صلى اللَّه عليه وآله وسلم ففي الآية ثناء عليهم ، وإخبار بظهور غيب مصداقه في الوجود إذ فتح اللَّه لهذه الأمة مشارق الأرض ومغاربها * ( وما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ ) * هذا خطاب لسيدنا محمد صلى اللَّه عليه وسلم ، وفيه تشريف عظيم ، وانتصب رحمة على أنه حال من ضمير المخاطب المفعول ، والمعنى على هذا أن النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم هو الرحمة ، ويحتمل أن يكون مصدرا في موضع الحال من ضمير الفاعل تقديره : أرسلناك راحمين للعالمين ، أو يكون مفعولا من أجله ، والمعنى على كل وجه : أن اللَّه رحم العالمين بإرسال سيدنا محمد صلى اللَّه عليه وآله وسلم ، لأنه جاءهم بالسعادة الكبرى ، والنجاة من الشقاوة العظمى ، ونالوا على يديه الخيرات الكثيرة في الآخرة والأولى ، وعلمهم بعد الجهالة وهداهم بعد الضلالة ، فإن قيل : رحمة للعالمين عموم ، والكفار لم يرحموا به ؟ فالجواب من وجهين : أحدهما أنهم كانوا معرضين للرحمة به لو آمنوا فهم الذين تركوا الرحمة بعد تعريضها لهم ، والآخر أنهم رحموا به لكونهم لم يعاقبوا بمثل ما عوقب به الكفار المتقدّمون من الطوفان والصيحة وشبه ذلك * ( آذَنْتُكُمْ عَلى سَواءٍ ) * أي أعلمتكم بالحق على استواء في الإعلام وتبليغ إلى جميعكم لم يختص به واحد دون آخر . * ( وَإِنْ أَدْرِي أَ قَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ ) * إن هنا وفي الموضع الآخر نافية ، وأدري فعل علق عن معموله لأنه من أفعال القلوب وما بعده في موضع المعمول من طريق المعنى فيجب وصله معه ، والهمزة في قوله : أقريب للتسوية لا لمجرد الاستفهام ، وقيل : يوقف على إن أدرى في الموضعين ، ويبتدأ بما بعده ، وهذا خطأ لأنه يطلب ما بعده * ( لَعَلَّه فِتْنَةٌ ) * الضمير لإمهالهم وتأخير عقوبتهم * ( ومَتاعٌ إِلى حِينٍ ) * أي الموت أو القيامة * ( الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ ) * أي أستعين به على الصبر على ما تصفون من الكفر والتكذيب .