الآلوسي

84

تفسير الآلوسي

ما لم تعلم ولما تعمل بما قد علمت فإن مثل ذلك مثل رجل احتطب حطباً فحمل حزمة وذهب يحملها فعجز عنها فضم إليها أخرى ، وقوله : يا بني إذا أردت أن تواخي رجلاً فأغضبه قبل ذلك فإن أنصفك عند غضبه وإلا فاحذره ، وقوله : لتكن كلمتك طيبة وليكن وجهك بسطاتكن أحب إلى الناس ممن يعطيهم العطاء ، وقوله : يا بني أنزل نفسك من صاحبك منزلة من لا حاجة له بك ولا بد لك منه ، يا بني كن كمن لا يبتغي محمدة الناس ولا يكسب ذمهم فنفسه منه في عناء والناس منه في راحة ، وقوله : يا بني امتنع بما يخرج من فيك فإنك ما سكت سالم وإنما ينبغي لك من القول ما ينفعك إلى غير ذلك مما لا يحصى * ( أَن أشْكُرْ لله ) * أي أي أشكر على أن * ( أن ) * تفسيرية وما بعدها تفسير لايتاء الحكمة وفيه معنى القول دون حروفه سواء كان بإلهام أو وحي أو تعليم . وجوز أن يكون تفسيراً للحكمة باعتبار ما تضمنه الأمر ، وجعل الزجاج * ( أن ) * مصدرية بتقدير اللام التعليلية ولا يفوت معنى الأمر كما مر تحقيقه . وحكى سيبويه كتبت إليه بأن قم ، والجار متعلق بآتينا ، وجوز كونها مصدرية بلا تقدير على أن المصدر بدل اشتمال من الحكمة ، وهو بعيد * ( وَمَنْ يَشْكُرْ ) * الخ استئناف مقرر لمضمون ما قبله موجب للامتثال بالأمر أي ومن يشكر له تعالى * ( فَإنَّمَا يَشْكُرُ لنَفْسه ) * لأن نفعه من ارتباط القيد واستجلاب المزيد والفوز بجنة الخلود مقصورة عليها * ( وَمَنْ كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنيٌّ ) * عن كل شيء فلا يحتاج إلى الشكر ليتضرر بكفر من كفر * ( حَميدٌ ) * حقيق بالحمد وإن لم يحمده أحد أو محمود بالفعل ينطق بحمده تعالى جميع المخلوقات بلسان الحال ، فحميد فعيل بمعنى محمود على الوجهين ، وعدم التعرض لكونه سبحانه وتعالى مشكوراً لما أن الحمد متضمن للشكر بل هو رأسه كما قال صلى الله عليه وسلم : " الحمد رأس الشكر لم يشكر الله تعالى عبد لم يحمده " فإثباته له تعالى إثبات للشكر له قطعاً ، وفي اختيار صيغة المضي في هذا الشق قيل : إشارة إلى قبح الكفران وأنه لا ينبغي إلا أن يعد في خبر كان ، وقيل إشارة إلى أنه كثير متحقق بخلاف الشكر * ( وقليل من عبادي الشكور ) * ( سبأ : 13 ) وجواب الشرط محذوف قام مقامه قوله تعالى : * ( فإن الله ) * الخ ، وكان الأصل ومن كفر فإنما يكفر على نفسه لأن الله غني حميد ، وحاصله ومن كفر فضرر كفره عائد عليه لأنه تعالى غني لا يحتاج إلى الشكر ليتضرر سبحانه بالكفر محمود بحسب الاستحقاق أو بنطق ألسنة الحال فكلا الوصفين متعلقن بالشق الثاني ، وجوز أن يكون * ( غني ) * تعليلاً لقوله سبحانه : * ( فإنما يشكر لنفسه ) * وقوله عز وجل : * ( حميد ) * تعليلاً للجواب المقدر للشرط الثاني بقرينة مقابله وهو فإنما يكفر على نفسه ، وأن يكون كل منهما متعلقاً بكل منهما ، ولا يخفى ما في ذلك من التكلف الذي لم يدع إليه ولم تقم عليه قرينة فتدبر . * ( وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يابُنَىَّ لاَ تُشْرِكْ باللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ) * . * ( وَإذْ قَالَ لُقْمَانُ لابنْه ) * تاران على ما قال الطبري . والقتيبي ؛ وقيل : ماثا بالمثلثة ، وقيل : أنعم ، وقيل : أشكم وهما بوزن أفعل ، وقيل : مشكم بالميم بدل الهمزة ، و * ( إذ ) * معمول لا ذكر محذوفاً ، وقيل : يحتمل أن يكون ظرفاً لآتينا والتقدير وآتيناه الحكمة إذ قال واختصر لدلالة المقدم عليه ، وقوله تعالى : * ( وَهُوَ يعظُهُ ) * جملة حالية ، والوعظ - كما قال الراغب - زجر مقترن بتخويف ، وقال الخليل : هو التذكير بالخير فيما يرق له القلب * ( يَا بُنَيَّ ) * تصغير إشفاق ومحبة لا تصغير تحقير .