الآلوسي

8

تفسير الآلوسي

فإن احتج بالفاصل فهو مجوز لا موجب بدليل وما تسقط من ورقة فإن عورض بأحسن بهند فالتاء لا تلحق صيغ الأمر وإن كان معناها الخبر اه‍ . وتعقب ذلك الشيخ يس الحمصي في حواشيه على التصريح فقال : أقول تفسير * ( كفى ) * على هذا القول باكتف غير صحيح إذ فاعل * ( كفى ) * حينئذ ضمير المخاطب ، و * ( كفى ) * ماض وهو لا يرفع ضمير المخاطب المستتر اه‍ وفيه بعد بحث لا يخفى على المتأمل . وظن بعض الناس أن * ( كفى ) * على هذا القول اسم فعل أمر يخاطب به المفرد المذكر وغيره نحو حي في حي على الصلاة فالمعنى هنا اكتفوا بالله ، وأنت تعلم أن هذا بعيد الإرادة من كلام الزجاج ويأباه كلام ابن هشام ، وقال ابن السراج : الفاعل ضمير الاكتفاء ، قال ابن هشام : وصحة قوله موقوفة على جواز تعلق الجار بضمير المصدر وهو قول الفارسي . والرماني أجازوا مروري بزيد حسن وهو بعمرو قبيح ، وأجاز الكوفيون اعماله في الظرف وغيره ، ومنع جمهور البصريين أعماله مطلقاً اه‍ . وتعقب ذلك ابن الصائغ فقال : لا نسلم توقف الصحة على ذلك لجواز أن تكون الباء للحال ، وعليه يكون المعنى * ( كفى ) * هو أي الاكتفاء حال كونه ملتبساً بالله تعالى ، ولا يخفى أنه ما لم يبطل هذا القول لا يتم ما ادعاه ابن هشام من أن ترك التاء في كفى بهند يوجب كون كفى مضمناً معنى اكتفى فتدبر * ( وَالَّذينَ ءَامَنُوا بالْبَاطل ) * قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : أي بغير الله عز وجل وهو شامل لنحو عيسى والملائكة عليهم السلام . والباطل في الحقيقة عبادتهم وليس الباطل هنا مثله في قول حسان : ألا كل شيء ما خلا الله باطل ، وقال مقاتل : أي بعبادة الشيطان ، وقيل : أي بالصنم * ( وَكَفَروا بالله ) * مع تعاضد موجبات الإيمان به عز وجل * ( أَولئكَ هُمُ الخِاسرُونَ ) * المغبونون في صفقتهم حيث اشتروا الكفر بالإيمان فاستوجبوا العقاب يوم الحساب ، وفي الكلام على ما قيل : استعارة مكنية شبه استبدال الكفر بالإيمان المستلزم للعقاب اشتراء مستلزم للخسران ، وفي الخسران استعارة تخييلية هي قرينتها لأن الخسران متعارف في التجارات ، وهذا الكلام ورد مورد الانصاف حيث لم يصرح بأنهم المؤمنون بالباطل الكافرون بالله عز وجل بل أبرزه في معرض العموم ليهجم به التأمل على المطلوب فهو كقوله تعالى : * ( إنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين ) * ( سبأ : 24 ) وكقول حسان : فشركما لخيركما الفداء وهذا من قبيل المجادلة بالتي هي أحسن . * ( وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالْعَذَابِ وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُّسَمًّى لَّجَآءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ) * . * ( وَيَسْتَعْجلُونَكَ ) * أي ويستعجلك كفار قريش * ( بالْعَذَاب ) * على طريقة الاستهزاء والتعجيز والتكذيب به بقوله : * ( متى هذا الوعد ) * ( يونس : 48 ) وقولهم : أمطر علينا حجارة أو ائتنا بعذاب ونحو ذلك * ( وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُّسَمًّى ) * قد ضربه الله تعالى لعذابهم وسماه وأثبته في اللوح * ( لجَاءَهُمُ الْعَذَابُ ) * المعين لهم حسبما استعجلوا به ، وقال ابن جبير : المراد بالأجل يوم القيامة لما روي أنه تعالى وعد رسوله صلى الله عليه وسلم ان لا يعذب قومه بعذاب الاستئصال وأن يؤخر عذابهم إلى يوم القيامة ، وقال ابن سلام : والمراد به أجل ما بين النفختين ، وقيل : يوم بدر ، وقيل : وقت فنائهم بآجالهم ، وفيه بعد ظاهر لما أنهم ما كانوا يوعدون بفنائهم الطبيعي ولا كانوا يستعجلون به * ( وَلَيَأْتيَنَّهُمْ ) * جملة مستأنفة مبينة لما أشير إليه في الجملة السابقة من مجيء العذاب عند حلول الأجل ، أي وبالله تعالى * ( ليأتينهم ) * العذاب الذي عين لهم عند حلول الأجل * ( بَغْتَةً ) *