الآلوسي
62
تفسير الآلوسي
والسلام شاهد من المؤمنين حيث جعلوا الكل مدعين ، وقال الإمام : في توحيد الخطاب في * ( جئتهم ) * وجمعه في * ( أنتم ) * لطيفة وهي أن الله تعالى قال : إن جئتهم بكل آية جاءت بها الرسل عليهم السلام ويمكن أن يجاء بها يقولوا : أنتم كلكم أيها المدعون للرسالة مبطلون انتهى ، ولا يخفى أن ما ذكرناه أحسن وألطف . * ( كَذَالِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ ) * . * ( كَذالكَ ) * أي مثل ذلك الطبع الفظيع ، وجوز أن يكون المعنى مثل ذلك القول * ( يَطْبَعُ ) * أي يختم * ( اللَّهُ ) * الذي جلت عظمته وعظمت قدرته * ( عَلَى قُلُوب الَّذينَ لاَ يَعْلَمُونَ ) * أي لا يطلبون العلم ولا يتحرون الحق بل يصرون على خرافات اعتقدوها وترهات ابتدعوها ، فإن الجهل المركب يمنع إدراك الحق ويوجب تكذيب المحق ، ومن هنا قالوا : هو شر من الجهل البسيط ، وما ألطف ما قيل : قال حمار الحكيم توما * لو أنصفوني لكنت أركب لأنني جاهل بسيط * وصاحبي جاهل مركب وإطلاق العلم على الطلب مجاز لما أنه لازم له عادة وقيل : المعنى يطبع الله تعالى على قلوب الذين ليسوا من أولى العلم ، وليس بذاك ، والمراد من * ( الذين لا يعلمون ) * يحتمل أن يكون الذين كفروا فيكون قد وضع الموصول موضع ضميرهم للنعي بما في حيز العلة ، ويحتمل أن يكون عاماً ويدخل فيه أولئك دخولاً أولياً . وظاهر كلام بعض الأجلة يميل إلى الاحتمال الأول ، وقد تقدم الكلام في طبعه وختمه عز وجل على القلب . * ( فاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لاَ يُوقِنُونَ ) * . * ( فَاصْبرْ ) * أي إذا علمت حالهم وطبع الله تعالى على قلوبهم فاصبر على مكارههم من الأقوال الباطلة والأفعال السيئة * ( إنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ ) * وقد وعدك عز وجل بالنصرة وإظهار الدين وإعلاء كلمة الحق ولا بد من إنجازه والوفاء به لا محالة * ( وَلاَ يَسْتَخفنَّكَ ) * لا يحملنك على الخفة والقلق * ( الَّذينَ لاَ يُوقنُونَ ) * بما تتلو عليهم من الآيات البينة بتكذيبهم إياها وإيذائهم لك بأباصيلهم التي من جملتها قولهم : * ( إن أنتم إلا مبطلون ) * ( الروم : 58 ) فإنهم شاكون ضالو ولا يستبدع أمثال ذلك منهم ، وقيل : أي لا يوقنون بأن وعد الله حق وهو كما ترى ، والحمل وإن كان لغيره صلى الله عليه وسلم لكن النهي راجع إليه عليه الصلاة والسلام فهو من باب لا أرينك ههنا وقد مر تحقيقه فكأنه قيل : لا تخف لهم جزعاً ، وفي الآية من إرشاده تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم وتعليمه سبحانه له كيف يتلقى المكاره بصدر رحيب ما لا يخفى . وقرأ ابن أبي إسحق . ويعقوب * ( ولا يستحقنك ) * بحاء مهملة وقاف من الاستحقاق ، والمعنى لا يفتننك الذين لا يوقنون ويكونوا أحق بك من المؤمنين على أنه مجاز عن ذلك لأن من فتن أحداً استماله إليه حتى يكون أحق به من غيره ، والنهي على هذه القراءة راجع إلى أمته عليه الصلاة والسلام دونه صلى الله عليه وسلم لمكان العصمة ، وقد تقدم نظائر ذلك وما للعلماء من الكلام فيها . وقرأ الجمهور بتشديد النون وخففها ابن أبي عبلة . ويعقوب ، ومن لطيف ما يروى ما أخرجه ابن أبي شيبة . وابن جرير . وابن المنذر . وابن أبي حاتم . والحاكم . والبيهقي في " سننه " عن علي كرم الله تعالى وجهه أن رجلاً من الخوارج ناداه وهو في صلاة الفجر فقال : * ( ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من * ( الخاسرين ) * ( الزمر : 65 ) فأجابه كرم الله تعالى وجهه وهو في الصلاة * ( فاصبر إن وعد الله