الآلوسي

49

تفسير الآلوسي

وفيما قبل نعى الشرك وفيها من تخويف المشركين ما فيها . وقال الإمام : في وجه التعلق هو أن الشرك سبب الفساد كما قال تعالى : * ( لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ) * ( الأنبياء : 22 ) وإذا كان الشرك سببه جعل الله تعالى إظهارهم الشرك مورثاً لظهور الفساد ولو فعل بهم ما يقتضيه قولهم لفسدت السماوات والأرض كما قال سبحانه : * ( تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا ) * ( مريم : 90 ) وإلى هذا أشار عز وجل بقوله سبحانه : * ( ولنذيقهم بعض الذي عملوا ) * انتهى ، فتأمل وأنصف . وقوله تعالى : * ( قُلْ سِيرُواْ فِى الاَْرْضِ فانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّشْرِكِينَ ) * . * ( قُلْ سيرُوا في الأَرْض فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقبَةُ الَّذينَ منْ قَبْلُ ) * مسوق لتأكيد تسبب المعاصي لغضب الله تعالى ونكاله حيث أمروا بأن يسيروا فينظروا كيف أهلك الله تعالى الأمم وأذاقهم سوء العاقبة بمعاصيهم ويتحققوا صدق ما تقدم ، وقوله تعالى : * ( كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْركينَ ) * استئناف للدلالة على أن الشرك وحده لم يكن سبب تدمير جميعهم بل هو سبب للتدمير في أكثرهم وما دونه من المعاصي سبب له في قليل منهم . وجوز أن يكون للدلالة على أن سوء عاقبتهم لفشو الشرك وغلبته فيهم ففيه تهويل لأمر الشرك بأنه فتنة لا تصيب الذين ظلموا خاصة . * ( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينَ الْقِيِّمِ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ ) * . * ( فَأَقمْ وَجْهَكَ للدِّين الْقَيِّم ) * أي إذا كان الأمر كذلك فأقم وتمام الكلام فيما هنا يعلم مما تقدم في هذه السورة الكريمة * ( منْ قَبْل أَنْ يَأْتيَ يَوْمٌ لاَ مَرَدَّ لَهُ منَ الله ) * جوز أن يتعلق بمرد وهو مصدر بمعنى الرد ، والمعنى لا يرده سبحانه بعد أن يجئ به ولا رد له من جهته عز وجل فيفيد انتفاء رد غيره تعالى له بطريق برهاني ، واعترض بأنه لو كان كذلك للزم تنوين * ( يوم ) * لمشابهته للمضاف . وأجيب بأنه مبني على ما قال ابن مالك في التسهيل من أنه قد يعامل الشبيه بالمضاف معاملته فيترك تنوينه وحمل عليه قوله عليه الصلاة والسلام " لا مانع لما أعطيت " وتفصيله في شرحه ، وبعضهم جعله متعلقاً بمحذوف يدل عليه * ( مرد ) * أي لا يرد من جهته تعالى أي لا يرده هو عز وجل ؛ وقيل : هو خبر مبتدأ محذوف والتقدير هو أي الرد المنفي كائن من الله تعالى ، والجملة استئناف جواب سؤال تقديره ممن ذلك الرد المنفي ؟ وقيل : هو متعلق بمحذوف وقع حالاً من الضمير في الظرف الواقع خبراً للا ، وقيل : متعلق بالنفي أو بما دل عليه ، وقيل : متعلق بمحذوف وقع صفة ليوم ، وجوز كثير تعلقه بيأتي أي من قبل أي يأتي من الله تعالى يوم لا يقدر أحد أن يرده . وتعقب بأن ذلك خلاف المتبادر من اللفظ والمعنى وهو مع ذلك قليل الفائدة وارتضاه الطيبي فقال : هذا الوجه أبلغ لإطلاق الرد وتفخيم اليوم وإن إتيانه من جهة عظيم قادر ذي سلطان قاهر ومنه يعلم أن ذلك ليس قليل الفائدة . نعم إن فيه الفصل الملبس وحال سائر الأوجه لا يخفى على ذي تمييز * ( يَوْمَئذٍ ) * أي يوم إذ يأتي * ( يَصَّدَّعُونَ ) * أصله يتصدعون فقلبت تاؤه صاداً وأدغمت والتصدع في الأصل تفرق أجزاء الأواني ثم استعمل في مطلق التفرق أي يتفرقون فريق في الجنة وفريق في السعير ، وقيل : يتفرقون تفرق الأشخاص على ما ورد في قوله تعالى : * ( يوم يكون الناس كالفراش المبثوث ) * ( القارعة : 4 ) لا تفرق الفريقين فإن المبالغة في التفرق المستفادة من * ( يصدعون ) * إنما تناسب الأول ، ورجح الثاني بأنه المناسب للسياق والسباق إذ الكلام في المؤمنين والكافرين فما ذكر بيان