الآلوسي
26
تفسير الآلوسي
وفي " البحر " التنوين في * ( يومئذٍ ) * تنوين عوض من الجملة المحذوفة أي ويوم تقوم الساعة يوم إذ يبلس المجرمون * ( يَتَفَرَّقُونَ ) * وظاهره أن * ( يومئذٍ ) * ظرف لتقوم ، ولا يخفى ما في جعل الجملة المعوض عنها التنوين حينئذٍ ما ذكره من النظر . وفي إرشاد العقل السليم أن قوله تعالى : * ( يومئذٍ يتفرقون ) * تهويل ليوم قيام الساعة إثر تهويل وفيه رمز إلى أن التفرق يقع في بعض منه ، وفي وجه الرمز إلى ذلك بما ذكر خفاء ، وضمير * ( يتفرقون ) * للمسلمين والكافرين الدال عليهما ما قبل من عموم الخلق وما بعد من التفصيل ، وذهب إلى ذلك الزمخشري . وجماعة . وقال في الإرشاد : هو لجميع الخلق المدلول عليهم بما تقدم من مبدئهم ومرجعهم وإعادتهم لا المجرمون خاصة ، وقال أبو حيان : يظهر أنه عائد على الخلق قبله وهو المذكور في قوله تعالى : * ( الله يبدأ الخلق ثم يعيده ) * والمراد بتفرقهم اختلافهم في المحال والأحوال كما يؤذن به التفصيل ، وليس ذلك باعتبار كل فرد بل باعتبار كل فريق ، فقد أخرج ابن أبي حاتم عن الحسن أنه قال في ذلك هؤلاء في عليين وهؤلاء في أسفل سافلين ، والتفصيل يؤذن بذلك أيضاً ، وهذا التفرق بعد تمام الحساب . * ( فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِى رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ ) * . * ( فَأَمَّا الَّذينَ آمَنُوا وَعَملُوا الصَّالحَت فَهُمْ في رَوْضَه يُحْبَرُونَ ) * الروضة الأرض ذات النبات والماء ، وفي المثل أحسن من بيضة في روضة يريدون بيضة النعامة ، وباعتبار الماء قيل : أراض الوادي واستراض أي كثر ماؤه وأراضهم أرواهم بعض الري من أراض الحوض إذا صب فيه من الماء ما يوارى أرضه ، ويقال : شربوا حتى أراضوا أي شربوا عللاً بعد نهل . وقيل : معنى أراضوا صبوا اللبن على اللبن ، وظاهر تفسير الكثير للروضة اعتبار النبات والماء فيها ، وأظن أن ابن قتيبة صرح بأنه لا يقال لأرض ذات نبات بلا ماء روضة . وقيل : هي البستان الحسن ، وقيل : موضع الخضرة ، وقال الخفاجي : الروضة البستان وتخصيصها بذات الأنهار بناءً على العرف ، وأياً ما كان فتنوينها هنا للتفخيم والمراد بها الجنة ، والحبر السرور يقال : حبره يحبره بالضم حبراً وحبرة وحبوراً إذا سره سروراً تهلل له وجهه وظهر فيه أثره ، وفي المثل امتلأت بيوتهم حبرة فهم ينتظرون العبرة ، وحكى الكسائي حبرته أكرمته ونعمته ، وقيل : الحبرة كل نعمة حسنة والتحبير التحسين ، ويقال : فلان حسن الحبر والسبر بالفتح إذا كان جميلاً حسن الهيئة ، واختلفت الأقوال في تفسيره هنا فأخرج ابن جرير . وابن المنذر عن ابن عباس ، وابن أبي حاتم عن الضحاك أنهما قالا : يحبرون يكرمون . وأخرج جماعة عن مجاهد يحبرون ينعمون ، وقال أبو بكر ابن عياش : يتوجون على رؤوسهم . وقال ابن كيسان : يحلون ، وقال الأوزاعي . ووكيع . ويحيى بن أبي كثير : يسمعون الأغاني ، وأخرج عبد بن حميد عن الأخير أنه قال : قيل : يا رسول الله ما الحبر ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : اللذة والسماع . وذكر بعضهم أن الظاهر يسرون ولم يذكر ما يسرون به إيذاناً بكثرة المسار وما جاء في الخبر فمن باب الاقتصار على البعض ، ولعل السائل كان يحب السماع فذكره صلى الله عليه وسلم له لذلك ، والتعبير بالمضارع للإيذان بتجدد السرور لهم ففي كل ساعة يأتيهم ما يسرون به من متجددات الملاذ وأنواعها المختلفة . * ( وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ باايَاتِنَا وَلِقَآءِ الاَّخِرَةِ فَأُوْلَائِكَ فِى الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ ) * . * ( وَأَمَّا الَّذينَ كعفَرُوا وَكَذَّبُوا بآيَاتنَا ) * التي من جملتها الآيات الناطقة بما فصل * ( وَلقَاء الآخرَة ) * أي وكذبوا بالبعث ، وصرح بذلك مع اندراجه في تكذيب الآيات للاعتناء به ، وقوله تعالى : * ( فَأُولَائكَ ) *