الآلوسي
15
تفسير الآلوسي
* ( وَإنَّ اللَّهَ ) * المتصف بجميع صفات الكمال الذي بلغت عظمته في القلوب ما بلغت * ( لَمَعَ الْمُحْسنينَ ) * معية النصرة والمعونة وتقدم الجهاد المحتاج لهما قرينة قوية على إرادة ذلك ، وقال العلامة الطيبي : إن قوله تعالى : * ( لمع المحسنين ) * قد طابق قوله سبحانه : * ( جاهدوا ) * لفظاً ومعنى ، أما اللفظ فمن حيث الإطلاق في المجاهدة والمعية ، وأما المعنى فالمجاهد للأعداء يفتقر إلى ناصر ومعين ، ثم إن جملة قوله عز وجل : * ( إن الله لمع المحسنين ) * تذييل للآية مؤكد بكلمتي التوكيد محلى باسم الذات ليؤذن بأن من جاهد بكليته وشراشره في ذاته جل وعلا تجلى له الرب عز اسمه الجامع في صفة النصرة والإعانة تجلياً تاماً ، ثم إن هذه خاتمة شريفة للسورة لأنها مجاوبة لمفتتحها ناظرة إلى فريدة قلادتها * ( أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ) * ( العنكبوت : 2 ) لامحة إلى واسطة عقدها * ( يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون ) * ( العنكبوت : 56 ) وهي في نفسها جامعة فاذة اه . و * ( أل ) * في المحسنين يحتمل أن تكون للعهد فالمراد بالمحسنين الذين جاهدوا ، ووجه إقامة الظاهر مقام الضمير ظاهر وإلى ذلك ذهب الجمهور ، ويحتمل أن يكون للجنس فالمراد بهم مطلق جنس من أتى بالأفعال الحسنة ويدخل أولئك دخولاً أولياً برهانياً . وقد روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه فسر * ( المحسنين ) * بالموحدين وفيه تأييد ما للاحتمال الثاني والله تعالى أعلم . ومن باب الإشارة في الآيات : * ( أحسب الناس أن يتركوا ) * ( العنكبوت : 2 ) الآية قال ابن عطاء : ظن الخلق أنهم يتركون مع دعاوى المحبة ولا يطالبون بحقائقها وهي صب البلاء على المحب وتلذذه بالبلاء الظاهر والباطن ، وهذا كما قال العارف ابن الفارض قدس سره : وتعذيبكم عذب لدى وجوركم * علي بما يقضي الهوى لكم عدل وذكروا أن المحبة والمحنة توأمان وبالامتحان يكرم الرجل أو يهان * ( ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله ) * ( العنكبوت : 10 ) إشارة إلى حال الكاذبين في دعوى المحبة وهم الذين يصرفون عنها بأذى الناس لهم * ( إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقاً فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له إليه ترجعون ) * ( العنكبوت : 17 ) قال ابن عطاء : أي اطلبوا الرزق بالطاعة والإقبال على العبادة ، وقال سهل : اطلبوه في التوكل لا في المكسب فإن طلب الرزق فيه سبيل العوام * ( وقال إني مهاجر إلى ربي ) * ( العنكبوت : 26 ) أي مهاجر من نفسي ومن الكون إليه عز وجل ، وقال ابن عطاء : أي راجع إلى ربي من جميع مالي وعلي ، والرجوع إليه عز وجل بالانفصال عما دونه سبحانه ، ولا يصح لأحد الرجوع إليه تعالى وهو متعلق بشيء من الكون بل لا بد أن ينفصل من الأكوان أجمع * ( وتأتون في ناديكم المنكر ) * ( العنكبوت : 29 ) سئل الجنيد قدس سره عن هذه الآية فقال : كل شيء يجتمع الناس عليه إلا الذكر فهو منكر * ( مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتاً وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت ) * ( العنكبوت : 41 ) أشار سبحانه وتعالى إلى من اعتمد على غير الله عز وجل في أسباب الدنيا والآخرة فهو منقطع عن مراده غير واصل إليه ، قال ابن عطاء : من اعتمد شيئاً سوى الله تعالى كان هلاكه في نفس ما اعتمد عليه ، ومن اتخذ سواه عز وجل ظهيراً قطع عن نفسه سبيل العصمة ورد إلى حوله وقوته . * ( وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون ) * ( العنكبوت : 43 ) فيه إشارة إلى أن دقائق المعارف لا يعرفها إلا أصحاب الأحوال العالمون به تعالى وبصفاته وسائر شؤونه سبحانه لأنهم علماء المنهج ، وذكر أن العالم على الحقيقة من